المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: الخلاف الذي تفجّر مؤخراً بين مجدلينا أندرشون وستيفان لوفين في مؤتمر الاشتراكيين الأوروبيين في أمستردام لم يكن مجرد نقاش سياسي داخلي، بل كشف عن أزمة فكرية أعمق تعصف باليسار الأوروبي: الصراع بين الضمير الإنساني والواقعية السياسية.

أندرشون قالت إن السويد تبنّت واحدة من أكثر سياسات اللجوء سخاءً في أوروبا، وإن تلك السياسة كانت خطأً فادحًا. لكن لوفين ردّ عليها بعبارة تختصر جوهر الجدل: “اللجوء حق إنساني عالمي، ولا يمكن أن نغلق الأبواب ثم نتساءل لاحقاً من سيحمل على كتفيه نظام الرفاهية السويدي”.

وهنا تكمن المفارقة: هل الخطأ في استقبال اللاجئين، أم في غياب إدارة ذكية لذلك الاستقبال؟

أولاً: نتائج “فتح الباب على مصراعيه”

ما بين 2013 و2016 استقبلت السويد مئات الآلاف من طالبي اللجوء، لكنها لم تملك خطة إدماج كافية تربط التعليم بسوق العمل، ولا منظومة فعالة للاعتراف بالخبرات والشهادات. فبدل أن يتحول اللاجئون إلى طاقة منتجة، أصبحوا جزءاً من معضلة البيروقراطية الاجتماعية. وهكذا تحوّل “الكرم الإنساني” إلى عبء إداري استثمرته الأحزاب الشعبوية لتغذية الخوف والانقسام.

ثانياً: تبعات التشديد الحالي

اليوم تتجه السويد نحو تشديد غير مسبوق في سياسات الهجرة، لكن في توقيتٍ غير مناسب. فبحسب هيئة الإحصاء السويدية (SCB)، سيبلغ عدد سكان البلاد عام 2030 حوالي 10.7 ملايين نسمة، فيما ستقفز فئة من هم فوق 80 عاماً إلى نحو 800 ألف شخص — أي 7.5 بالمئة من السكان — وهي الفئة الأكثر اعتماداً على الرعاية الصحية والاجتماعية.

هذا التحول الديمغرافي يعني ببساطة أن السويد تتجه نحو عجزٍ خطير في اليد العاملة.

تشير أرقام منظمة البلديات والمحافظات السويدية (SKR) إلى أن البلاد ستحتاج حتى العام 2031 إلى توظيف أكثر من 410 آلاف شخص في قطاعات الرفاه المحلي (الصحة، الرعاية، التعليم) لتعويض الإحالات على التقاعد وتلبية الطلب المتزايد.

في مجال رعاية المسنين وحده، تتحدث التقارير عن حاجة إلى أكثر من 120 ألف موظف جديد خلال العقد القادم، بين إحلالٍ وتوسّع.

كما يتوقع قطاع النقل العام حاجةً إلى نحو 50 ألف سائق شاحنات وباصات حتى العام 2030، في وقتٍ تتناقص فيه فئة الشباب العاملين.

أي أن التشديد المفرط في قوانين الهجرة سيضاعف هذا العجز، ويهدد ركائز نظام الرفاه السويدي نفسه.

ثالثاً: دروس من تجارب ناجحة

النموذج الكندي يقدم مثالاً واضحاً على أن الهجرة ليست عبئاً إذا أُديرت بالعلم والمعايير.

تعتمد كندا نظاماً بالنقاط يقيّم المتقدمين على أساس التعليم، اللغة، الخبرة، والقدرة على الاندماج.

النتيجة أن المهاجر يصل إلى سوق العمل مباشرة، ويتحول خلال سنوات قليلة إلى مساهم في الاقتصاد، لا متلقٍ للمساعدات.

السر ليس في الانفتاح وحده، بل في الانضباط الإداري والوضوح في الأهداف.

رابعاً: ما الذي تحتاجه السويد؟

1. سياسة هجرة موجهة بالمهارات، تستقطب العاملين في القطاعات التي تعاني نقصاً حاداً (الرعاية، الصحة، النقل، البناء).

2. إصلاح جذري في الاعتراف بالشهادات الأجنبية لتقليص زمن الانتظار من سنوات إلى أشهر.

3. ربط برامج اللغة والتعليم المهني مباشرة بسوق العمل بدل الدورات النظرية المعزولة.

4. عقود تدريب-عمل مضمونة (Lärlings- och praktikprogram) تتيح للاجئ أن يندمج عبر الممارسة لا الانتظار.

5. خطاب سياسي جديد يتجاوز ثنائية “الكرم أو التشديد”، نحو رؤية ترى في المهاجر شريكاً لبناء المستقبل لا عبئًا على الحاضر.

ختاماً

لم تكن سياسة اللجوء السابقة “خاطئة” في جوهرها، بل كانت ناقصة في أدواتها. وليس التشديد اليوم “حلاً” بقدر ما هو تأجيلٌ لأزمة قادمة.

فحين تُغلق السويد الباب في وجه من يمكن أن يسهم في علاج مريضها، أو رعاية مسنّها، أو قيادة حافلتها — فإنها تؤجل مواجهة حقيقية مع واقعها الديموغرافي.

السويد لا تحتاج إلى “حدود أعلى” أو “أدنى”، بل إلى بوصلة ذكية تجمع بين الأخلاق والكفاءة.

وإذا لم نبدأ اليوم في تصميم سياسة إدماج موجهة بالاحتياجات، فستجيبنا سنة 2030 بلغة الأرقام: نقص في الكوادر، ضغط على الرعاية، ومجتمع يشيخ أسرع مما يتجدد.

فاروق الدباغ