المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: منذ الساعات الأولى للحرب على إيران ظهرت مخاوف واضحة لدى محللي الأسواق المالية وخبراء الاقتصاد. فليس السبب فقط أن الحروب عادة ما تلقي بظلال سلبية على الاقتصاد العالمي، بل لأن النتائج الأولية لهذه الحرب اتخذت منذ بدايتها طابعاً اقتصادياً واضحاً.

أدى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وإيقاف حركة بعض السفن إلى حالة من التوتر في الأسواق العالمية، خصوصاً في أسواق الطاقة. ومع الضبابية التي تكتنف مسار الحرب وعدم وضوح موعد محتمل لانتهائها، سواء استمرت لأسابيع أو لأشهر، ازدادت حالة القلق المرتبطة بإمدادات النفط، خاصة أن جزءاً كبيراً من صادرات النفط العالمية يمر عبر هذا المضيق الحيوي.

كما تمثل البعد الاقتصادي الآخر للحرب في استهداف مناطق حيوية ومراكز تجارية رئيسة في الشرق الأوسط، مثل دبي، التي لطالما عُرفت باستقرارها وبنيتها التحتية المتقدمة، فضلاً عن كونها ملاذاً آمناً ومفضلاً لأصحاب رؤوس الأموال والشركات العالمية.

وظهرت انعكاسات هذه التطورات بشكل واضح على العديد من الاقتصادات، خصوصاً في دول الاتحاد الأوروبي التي تعتمد بدرجات متفاوتة على واردات الطاقة. والتأثير يبدو أكثر وضوحاً في السويد، حيث تفرض الطبيعة الجغرافية للبلاد نقل البضائع والمواد لمسافات طويلة بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، الأمر الذي يجعل تكاليف النقل والطاقة عاملاً مهماً في تحديد أسعار السلع. وبالتالي فإن ارتفاع أسعار الطاقة سينعكس بصورة شبه مباشرة على تكاليف الإنتاج والنقل ثم على أسعار السلع في السوق.

إلى جانب ذلك، حذّر عدد من الخبراء من أن الحرب قد تؤثر أيضاً على مسار أسعار الفائدة. ففي ظل إشكاليات التضخم وعدم اليقين الاقتصادي، قد يصبح من الصعب على البنوك المركزية خفض أسعار الفائدة في المدى القريب. وهذا بدوره قد يؤدي إلى استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة، كما قد يضغط على السوق العقارية، التي تتأثر بشدة بمستويات الفائدة. وعند اجتماع هذه العوامل مع ارتفاع أسعار الطاقة، قد تواجه السويد مجموعة من التحديات الاقتصادية المركبة.

ومن زاوية أخرى، تبرز اعتبارات جيوسياسية مرتبطة بموقف بعض القوى الكبرى مثل روسيا والصين. ففي حالة روسيا على وجه الخصوص، قد تلجأ إلى إرسال رسائل سياسية أو أمنية إلى الدول القريبة من مجالها الحيوي، ومن بينها فنلندا والسويد اللتان انضمتا حديثاً إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو). وقد يأخذ هذا الضغط أشكالاً متعددة، من بينها الهجمات السيبرانية.

الاقتصاد السويدي يعتمد بدرجة كبيرة على بنية رقمية متقدمة وعلى انتشار واسع للمعاملات الرقمية بدلاً من التعاملات الورقية. ورغم أن هذا التطور يمثل أحد أهم عناصر القوة في الاقتصاد السويدي، فإنه في الوقت ذاته يجعله أكثر حساسية للهجمات السيبرانية. وإذا ما ارتفعت وتيرة هذه الهجمات، فإن ذلك سيؤدي إلى زيادة الإنفاق الحكومي على الأمن الرقمي، كما سيجبر الشركات على تخصيص موارد إضافية لحماية أنظمتها الرقمية، الأمر الذي قد ينعكس في النهاية على أسعار السلع والخدمات.

الذكاء الاصطناعي زاد الخسائر البشرية

وفي سياق آخر، برزت الحرب الأخيرة أيضاً كعامل أعاد فتح النقاش حول استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية. فقد أشار عدد من الخبراء إلى أن توظيف أنظمة الذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات القتالية لم يؤد بالضرورة إلى تقليل الخسائر البشرية كما كان يُعتقد سابقاً، بل قد يكون ساهم في تسريع وتيرة العمليات العسكرية وزيادة نطاقها، ما أدى إلى ارتفاع عدد الضحايا.

وقد يؤدي ذلك إلى تشديد التشريعات الأوروبية المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات. وهذا التطور قد تكون له آثار مباشرة على السويد، التي تسعى إلى أن تكون من بين الدول العشر الأولى عالمياً في تطوير وتطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي. فالتشريعات الأكثر صرامة قد تفرض على الشركات الناشئة والمبتكرة تكاليف إضافية للامتثال القانوني والتنظيمي، بما في ذلك توظيف خبراء في القانون والتنظيمات المالية والتكنولوجية، وهو ما قد يبطئ وتيرة الابتكار في بعض القطاعات.

الاستقطاب السياسي قد يكون أحد النتائج

إضافة إلى ذلك، تثار بعض التساؤلات حول إمكانية ظهور توترات اجتماعية داخل بعض المدن الأوروبية التي تضم جاليات موالية للنظام الإيراني، بما فيها السويد، نتيجة تداعيات الحرب واستقطاباتها السياسية. ومثل هذه التوترات، إذا حدثت، قد تؤثر على مناخ الاستثمار وترفع مستويات المخاطر في هذه البلدان.

وأخيراً، لا يقل أهمية عن ذلك التحدي المتعلق بالأسواق الخارجية. ففي ظل التوقعات بوجود صعوبات متزايدة في تصدير بعض المنتجات والخدمات الأوروبية إلى الولايات المتحدة، بدأت عدة دول أوروبية (ومنها السويد) في البحث عن أسواق بديلة. وكانت أسواق الشرق الأوسط، مثل الإمارات العربية المتحدة وقطر والمملكة العربية السعودية، من بين الأسواق الواعدة نظراً لارتفاع مستويات الدخل فيها وطبيعتها الاستهلاكية النشطة.

غير أن الحرب الأخيرة قد تؤثر سلباً على هذا التوجه، إذ إن حالة عدم الاستقرار الإقليمي قد تعرقل توسيع العلاقات التجارية مع هذه الأسواق في المدى القريب، ما يضيف تحدياً جديداً أمام الشركات السويدية الساعية إلى تنويع صادراتها.

في المحصلة، لا تقتصر تداعيات الحرب على البعد العسكري أو السياسي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اقتصادية ومالية وتقنية عميقة. وبالنسبة للسويد، فإن التحدي الأساسي يكمن في القدرة على التكيف مع هذه التحولات عبر تعزيز مرونة الاقتصاد، وتقوية البنية الرقمية والأمن السيبراني، وتنويع الأسواق التجارية، بما يضمن الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي في بيئة دولية تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين.

د. مصطفى نور الله

باحث أكاديمي في العلوم المالية