المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: في السويد، يُقال في لحظات الإحراج أو الإرباك: “Nu har vi skägget i brevlådan” “الآن لدينا اللحية في صندوق البريد”، في إشارة إلى الوقوع في مأزق بعد تجاهل التنبيهات والتحذيرات. وهذا هو حال الدولة السويدية اليوم، التي اختارت مراراً أن تغض الطرف عن دراسات وتحليلات واضحة حذّرت من مغبّة التضييق على المهاجرين، وتجاهلت الحقيقة السكانية بأن هذا البلد، ببساطة، لا يمكنه الاستمرار بدونهم.

لسنوات، ظل الخطاب السياسي يتجه نحو شيطنة المهاجرين، وخصوصاً العرب، محمّلين إياهم مسؤولية كل فشل إداري أو أزمة اقتصادية أو اجتماعية. وجاء ذلك متزامناً مع تصاعد خطاب حزب SD المتشدد، وتبنّي أحزابه الشريكة في الحكومة الحالية نهجاً مالياً وإدارياً يُقصي المهاجر ويضعه دوماً في موضع الشبهة أو العبء، لا المساهمة.

السويد تخسر أحد أعمدتها

وبينما كانت الحملات الإعلامية المضادة تدّعي أن السويد “تُخطف” من الداخل، كانت الحقيقة على الأرض تقول إن السويد، تدريجياً، تخسر أحد أعمدة تماسكها السكاني والاجتماعي، وتستنزف مورداً بشرياً هو من أكثر الفئات إنتاجاً وإنجاباً. فأعداد كبيرة من العائلات العربية غادرت السويد بالفعل أو بدأت إجراءات الانتقال إلى دول أوروبية مثل ألمانيا وإسبانيا ورومانيا، وحتى دول خارج الاتحاد الأوروبي مثل تركيا وكندا، وذلك إما هرباً من إجراءات التشديد الجديدة، أو بسبب حملات التضليل التي صورت السويد كدولة تخطف أطفال المسلمين، أو نتيجة شعور عميق بعدم الأمان القانوني والاجتماعي، بعد قرارات تقليص الإقامات وإعادة تقييم الجنسيات وشرعنة التمييز بين “السويدي الأصلي” و”السويدي من أصل مهاجر”.

وقد حذّرتُ شخصياً، من خلال دراسات قمت بها في دالارنا في الأعوام 2017 و2018، من أزمة حقيقية تلوح في الأفق في سوق العمل السويدي، نتيجة اقتراب آلاف العاملين من سن التقاعد، دون وجود تغطية بشرية كافية لسد الفراغ المتوقع. واليوم، تلك التحذيرات باتت حقيقة ملموسة. فقد بدأت بعض البلديات بإغلاق أقسام في رياض الأطفال بسبب تراجع معدل الولادات، وصرّحت هيئة الإحصاء السويدية أن عدد الولادات الجديدة في العام 2023 هو الأدنى منذ عقدين، في حين انتشر في الإعلام مؤخراً أن بعض المستشفيات مثل Jönköpings sjukhus زادت من ساعات العمل لعلاج تعقيم الرجال (sterilisering) بسبب عزوف الشباب السويدي عن الإنجاب، إمّا بسبب الغلاء أو لانعدام الأمل في مستقبل مستقر.

هذا التراجع الديموغرافي لا يملؤه إلا المهاجرون، تحديداً العائلات التي حافظت على معدلات إنجاب صحية وكانت المورد الأساسي للقوى العاملة في قطاعات الصحة، التعليم، النقل العام، ورعاية كبار السن. لكن هذه العائلات بدأت تخرج بصمت، تاركة فراغاً لن يُعالج بالقرارات السريعة أو بالمساعدات المؤقتة. والنقص بدأ فعلاً ينعكس: نقص في سائقي الباصات، نقص في موظفي الرعاية، نقص في معلمي الصفوف التمهيدية، ولا أحد يبدو قادراً على تقديم حل جذري إلا بالاعتراف بالخطأ وتصحيحه.

السويد الآن، تماماً كما يصف المثل، وجدت نفسها “Skägget i brevlådan”. لا لأنها استقبلت مهاجرين، بل لأنها حاربتهم، وهم في الحقيقة من أعاد التوازن إلى المجتمع السويدي حين بدأ يشيخ ويتقلص. والمفارقة أن من صدّر الخطاب العدائي، بات يطالب الآن بجذب العقول والمهارات من الخارج، بينما من كانوا بين أيدينا قد غادروا بالفعل.

المشكلة لم تكن في المهاجر، بل في عقلية السياسة التي اختارت التجاهل بدل الإصغاء. وربما تأخرت الصحوة، لكن الدرس باقٍ: لا تبني أمة بإقصاء مَن يبنونها.

فاروق الدباغ

المصادر والإشارات المستخدمة في المقال:

1. SCB – Statistiska centralbyrån (هيئة الإحصاء السويدية):

تقرير الولادات لعام 2023:
🔗 www.scb.se
تُشير الأرقام الرسمية إلى أن عدد الولادات في السويد عام 2023 بلغ نحو 100,000، وهو الأدنى منذ 20 عامًا.

2. SVT Nyheter – Sveriges Television:

مقال بعنوان:
“Stort intresse för sterilisering bland unga män – Södersjukhuset utökar tiderna”
🔗 www.svt.se
ذكرت SVT أن الطلب على عمليات تعقيم الرجال (sterilisering) بين الشباب السويدي في تزايد واضح، مما دفع بعض المستشفيات لتكثيف ساعات العمل حتى في عطلات نهاية الأسبوع.
3. Försäkringskassan och Arbetsförmedlingen – تقارير حول سوق العمل وأزمة الإحلال الوظيفي:
🔗 www.arbetsformedlingen.se
❝ تؤكد البيانات الرسمية أن السويد تواجه فجوة كبيرة في سوق العمل بسبب التقاعد الجماعي وعدم وجود عدد كافٍ من الداخلين الجدد إلى سوق العمل، خاصة في قطاعات الرعاية والتعليم. ❞

4. Socialstyrelsen – الهيئة الوطنية للشؤون الاجتماعية والصحية:
تقارير متكررة حول نقص موظفي الرعاية (undersköterskor och vårdbiträden) وازدياد العبء في خدمات كبار السن.
🔗 www.socialstyrelsen.se

5. ملاحظات ومتابعات ميدانية من قبلي شخصيا .
ودراسات ومداخلات تم تقديمها بين 2017–2018 في مقاطعة دالارنا، حول التحديات السكانية والنقص المتوقع في الكفاءات والوظائف الحرجة.
6. Tidningen Dagens Samhälle och DN (Dagens Nyheter):

تقارير متعددة بين 2022–2024 عن إغلاق بعض förskolor في البلديات الصغيرة بسبب تراجع عدد الأطفال حديثي الولادة.