المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: في مشهد يبدو متناقضًا بوضوح، تخصص الحكومة السويدية مبالغ مالية مغرية لمن يرغب في مغادرة السويد، لتشجيعهم على الرحيل. وفي الوقت نفسه، تبذل جهودًا شبه بوليسية لملاحقة عائلات غادرت البلاد مع أطفالها، تحت ضغط بيئة مشحونة ساهمت في تشكيلها السياسات المتشددة للحكومة الحالية.

هذا التناقض يثير تساؤلات لدى عامة الناس، خصوصًا مهاجرين لم يعودوا يرون السويد بلدًا يمكنهم قضاء بقية حياتهم فيه مع أطفالهم. كثيرون يشعرون بأن السويد ببساطة تريد التخلي عن كل من هو لاجئ أو مهاجر. وقد يكون هذا التصور غير دقيق، لكنه في النهاية نتيجة مباشرة لسياسات الحكومة الحالية، لأن الظاهرتين تبدوان متناقضتين: دفع المال لمن يريد المغادرة، والحرص على استعادة العائلات التي تغادر مع أطفالها.

ومع ذلك، قد يعكس هذا “التناقض” سياسة واحدة تطبَّق على موضوعين مختلفين تمامًا:

ما يتعلق بـ بدل العودة الطوعية هو خيار قانوني مفتوح أمام من يرون أن حياتهم في السويد لم تعد مناسبة. أما ملاحقة العائلات التي تغادر مع أطفالها، فيتعلق بقوانين حماية الطفل والرعاية الاجتماعية التي تُطبَّق بغضّ النظر عن مكان وجود الطفل.
هذا الفرق الجوهري غالبًا ما يضيع وسط التصريحات والاقتراحات والسياسات التي تنتهجها حكومة أولف كريسترشون، وبتوجيهات من عرّاب الحكومة، جيمي أوكيسون.

بدل العودة الطوعية: مبالغ كبيرة ونتائج محدودة

كما هو معروف، يمنح بدل العودة الطوعية – عبر مصلحة الهجرة – مبالغ قد تصل إلى نحو 600 ألف كرون للعائلة التي ترغب في العودة إلى بلدها الأصلي. الهدف المعلن هو تقديم فرصة للاستقرار لمن لم ينجحوا في الاندماج أو يفضّلون العودة طوعًا.

البرنامج قائم منذ سنوات، لكن جرى رفع التعويضات مؤخرًا بشكل كبير بعد فشله في جذب عدد كافٍ من الراغبين بالمغادرة. ويُقدَّم تحت عنوان “دعم اختياري” يساعد الأفراد على بدء حياة جديدة خارج السويد دون أي التزامات قانونية لاحقة.

وماذا عن ملاحقة العائلات التي غادرت مع أطفالها؟

في المقابل، تظهر تقارير صحفية أن السلطات السويدية تتابع حالات لأطفال “أُخذوا” خارج البلاد دون موافقة الجهات المسؤولة. هنا لا تتعامل الدولة مع المغادرة كقرار عائلي عادي، بل كملف قانوني يخص حقوق الطفل. وهنا يكمن الفرق الذي ضاع وسط أجواء الكراهية والاتهامات التي طالت اللاجئين:

بدل العودة الطوعية موجّه للبالغين الراغبين في الرحيل. أما ملاحقة الأطفال “المخطوفين من قِبل ذويهم” كما تصفهم الحكومة، فيخضع لقوانين حماية القاصر، حيث ترى الدولة أن مسؤوليتها تجاه الطفل مستمرة، حتى لو غادر البلاد.

ولهذا يمكن أن تدعم الحكومة مغادرة العائلة من جهة، وتحقق في خروج الطفل من جهة أخرى.

ازدواجية المشهد: أين يبدأ القانون وأين تنتهي السياسة؟

يُفاجَأ كثيرون بتغيّر لغة بعض وسائل الإعلام عند الحديث عن هؤلاء الأطفال، إذ يُشار إليهم بوصفهم “سويديين” دون أي ذكر لخلفياتهم أو ظروفهم الاجتماعية المعقدة. هذا التوصيف مرتبط بطريقة تعامل الدولة مع قضايا العنف العائلي وجرائم الشرف، حيث تُقدَّم هوية الطفل السويدي كمرتكز للمسؤولية الحكومية عنه.

وفي المقابل، يُنظر إلى القرارات العائلية، خصوصًا في الأسر المهاجرة، بريبة، أو بافتراض وجود “دوافع ثقافية” وراءها. هذا الخطاب، حتى عندما لا يكون مباشرًا، يخلق شعورًا بأن أي خطوة تتخذها العائلة قد تُفسَّر بأنها تهديد لسلامة الطفل.

بين حماية الطفل وحق العائلة في الاختيار

العائلات التي غادرت السويد هربًا من تدخل السوسيال أو لعدم شعورها بالأمان الاجتماعي تجد نفسها أحيانًا في مواجهة إجراءات تحقيق تتجاوز الحدود الجغرافية. وفي الوقت نفسه، الدولة التي تفتح باب “العودة الطوعية” تتمسك بقواعد حماية الطفل التي تعتبرها غير قابلة للتفاوض.

وبذلك تتحول السويد، في نظر كثير من هذه العائلات، من دولة “راعية” إلى دولة “وصيّة” تستمر في ممارسة نفوذها حتى بعد مغادرة الأسرة للبلاد.

وهذا النهج يثير عدة تساؤلات منها: هل يمكن تطبيق قوانين حماية الطفل دون فهم خلفيات العائلات وظروفها؟ وهل يؤدي توسّع الدولة في صلاحياتها إلى تقييد حرية الأسر تحت ذريعة حماية الأطفال؟ ولماذا تُعد مغادرة الأسرة “اختيارًا”، بينما تُعد مغادرة الطفل معها “قضية”؟

أسئلة تبقى بانتظار إجابة من الحكومة الحالية… وربما من المعارضة أيضًا.

العيد بوعكاز