المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: تبدو القوانين المدرسية الجديدة في السويد، التي من المنتظر أن تدخل حيّز التنفيذ في أغسطس 2026، في ظاهرها استجابة طبيعية لمشكلات باتت تؤرق المدارس يوميًا: الهواتف المحمولة، تراجع التركيز داخل الصفوف، صعوبة ضبط السلوك، وتزايد شعور المعلمين بأنهم يقضون وقتًا طويلًا في إدارة الفوضى بدل التدريس.
لكن قراءة أعمق لهذه التغييرات تكشف أنها ليست مجرد تعديلات إدارية، بل لحظة مهمة تعيد طرح سؤال جوهري: هل تسعى المدرسة السويدية إلى استعادة الانضباط، أم أنها تحاول معالجة أزمة جديدة بأدوات قديمة؟
جيل الأطفال اليوم لم يعد هو الجيل الذي بُنيت له المدرسة التقليدية. نحن أمام جيل يعيش في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث لم تعد المدرسة تحتكر المعرفة كما كانت تفعل في السابق. يستطيع الطالب أن يجد إجابة عن كثير من أسئلته بكبسة زر، وأن يتعلم من منصات رقمية، وأن يتعامل مع أدوات ذكية تشرح وتلخص وتجيب. وهذا لا يعني أن المدرسة فقدت أهميتها، لكنه يعني أن دورها تغيّر. فهل يكفي أن نرد على هذا التحول بمزيد من الضبط والقواعد والعقوبات؟ أم أن الأزمة أعمق من مجرد فوضى داخل الصف؟
لا أحد يستطيع أن ينكر أن المدرسة تحتاج إلى نظام. فالطلاب لهم حق في بيئة تعليمية هادئة وآمنة، والمعلم لا يستطيع أن يدرّس إذا تحوّل الصف إلى مساحة مشتتة ومتوترة. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم رغبة الحكومة السويدية في تشديد القواعد المتعلقة بالهواتف المحمولة، وتوسيع صلاحيات المدارس في التعامل مع السلوكيات التي تعرقل التعليم. فقد أصبحت الهواتف، في كثير من الحالات، مصدرًا للتشتيت والتنمر الرقمي وفقدان التركيز، ولم يعد ممكنًا تجاهل أثرها على الحياة اليومية داخل المدرسة.
لكن المشكلة لا تبدأ من وجود القواعد، بل من الطريقة التي نفهم بها وظيفة هذه القواعد. فالقانون قد يساعد المدرسة على استعادة الهدوء، لكنه لا يضمن وحده بناء بيئة تربوية عادلة. والسؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى الانضباط؟ بل: كيف نحقق الانضباط دون أن نحول المدرسة إلى مؤسسة عقابية؟ وكيف نضع حدودًا واضحة دون أن نفقد القدرة على فهم الطفل خلف السلوك؟
جيل الذكاء الاصطناعي… هل تكفي القواعد القديمة لمواجهة تحديات جديدة؟
وهنا تكمن المفارقة. المدرسة التي كانت في السابق مصدرًا رئيسيًا للمعرفة أصبحت اليوم، في نظر بعض الطلاب، مكانًا للقاء الأصدقاء، والعيش داخل جماعة، وتنظيم ما يستطيعون الوصول إليه خارجها. ولهذا فإن قيمة المدرسة في عصر الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن تقوم فقط على نقل المعلومة أو ضبط الجسد داخل الصف، بل على مساعدة الطفل على التفكير، والتمييز، وبناء المعنى، واحترام الآخر، والعيش داخل مجتمع. فإذا لم تفهم المدرسة هذا التحول، فإن العودة إلى نموذج الانضباط الكلاسيكي قد تمنح الصف هدوءًا مؤقتًا، لكنها لن تعالج الفجوة الأعمق بين المدرسة وجيلها الجديد.
بين الانضباط والإقصاء… متى تتحول الحماية التربوية إلى عقوبة؟
من بين الإجراءات المطروحة ما يُعرف بـ akutskola، أي نقل الطالب مؤقتًا إلى بيئة تعليمية أخرى عندما يُعتبر سلوكه معرقلًا للعملية التعليمية أو مهددًا للهدوء داخل المدرسة. من حيث المبدأ، قد تكون هذه الفكرة مفيدة إذا استُخدمت كمساحة دعم مؤقتة، تساعد الطالب على الهدوء، وفهم ما حدث، ثم العودة إلى مدرسته الأصلية بخطة تربوية واضحة. لكن الخطر الحقيقي أن تتحول إلى حل إداري سريع: بدل أن تسأل المدرسة “ماذا يحتاج هذا الطالب؟”، يصبح السؤال “أين يمكن نقله؟”.
وهنا تظهر المسألة التي تقلقني كمختص في التربية. فالمدرسة لا تتعامل مع “حالات سلوك” مجردة، بل مع أطفال ومراهقين يحملون قصصًا وخبرات وصعوبات مختلفة. بعض السلوكيات لا تنبع من سوء نية أو تمرد، بل من قلق، أو صعوبات في الانتباه، أو اضطرابات مثل ADHD أو التوحد، أو من شعور طويل بالفشل داخل المدرسة. وإذا لم تُقرأ هذه السلوكيات قراءة تربوية وإنسانية، فإن المدرسة قد تنجح في إبعاد المشكلة عن الصف، لكنها لا تعالج أصلها.
الأمر نفسه ينطبق على ما يسمى بـ förväntansdokument أو وثيقة التوقعات، التي تهدف إلى توضيح ما تنتظره المدرسة من الطلاب وأولياء الأمور. من حيث المبدأ، الوضوح مهم. فكثير من التوتر بين المدرسة والأسرة ينشأ من غياب الفهم المشترك: ما الذي تتوقعه المدرسة؟ ما مسؤولية ولي الأمر؟ ما حدود الطالب؟ وما الذي يحدث عندما تُخرق القواعد؟ لذلك يمكن لهذه الوثيقة أن تكون مفيدة إذا استُخدمت لبناء حوار أوضح بين البيت والمدرسة.
لكن الوثائق لا تصنع العدالة وحدها. فقد تُكتب القواعد بلغة واضحة، لكنها تُطبق بطرق مختلفة من مدرسة إلى أخرى. وما يُعتبر في مدرسة ما سلوكًا خطيرًا يستدعي النقل أو التدخل الحاد، قد يُعالج في مدرسة أخرى بالحوار والدعم وخطة تربوية مناسبة. وهنا يكمن الخطر: أن تتحول الصلاحيات الجديدة إلى ممارسات متفاوتة، تجعل بعض الأسر تشعر بأن أبناءها يعاملون بقسوة أو دون فهم كافٍ.
هذا التفاوت قد يفتح بابًا واسعًا للشكاوى والاعتراضات من أولياء الأمور. فإذا شعر ولي الأمر أن قرارًا يتعلق بابنه اتُّخذ بسرعة، أو دون تفسير كافٍ، أو دون محاولة حقيقية للدعم قبل العقوبة، فإن الثقة بين الأسرة والمدرسة ستضعف. وحين تضعف هذه الثقة، لا تكسب المدرسة الهدوء، بل تنتج صراعًا جديدًا ينتقل من الصف إلى الإدارة، ومن العلاقة التربوية إلى الملفات والتقارير والاعتراضات.
ولهذا أرى أن نجاح هذه القوانين لن يتوقف على نصوصها، بل على ثقافة تطبيقها داخل المدارس. المدرسة السويدية لا تحتاج إلى فوضى باسم الاحتواء، ولا إلى قسوة باسم الانضباط، بل إلى توازن تربوي دقيق بين الوضوح والرحمة.
فالانضباط الحقيقي لا يعني إسكات الطلاب، بل بناء مدرسة يشعر فيها الطالب بالأمان والعدل، ويشعر فيها المعلم أن النظام يدعمه لا يحوّله إلى شرطي، ويثق فيها ولي الأمر بأن المدرسة لا تتخلى عن طفله عند أول أزمة. لذلك، فإن نجاح هذه القوانين لن يُقاس بقدرتها على فرض الصمت داخل الصفوف، بل بقدرتها على إعادة الطلاب إلى التعلم دون دفعهم نحو الإقصاء. والسؤال الأهم ليس كيف نجعل المدرسة أكثر صرامة، بل كيف نجعلها أكثر نظامًا دون أن تصبح أقل إنسانية.
د. العيد بوعكاز