المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: تتجه السويد اليوم، مثل دول كثيرة، إلى تضييق المساحة الرقمية أمام الأطفال. هواتف ممنوعة في المدارس، حديث عن سن قانونية لوسائل التواصل الاجتماعي، وتوصيات مرتقبة حول تأخير امتلاك الطفل لهاتف ذكي. في الظاهر يبدو الأمر منطقياً: حماية الأطفال من التشتت، والإدمان، والتنمر، والمحتوى الضار، والخوارزميات التي تعرف كيف تخطف انتباههم أكثر مما يعرف الأهل أحياناً. لكن خلف هذه الحماية سؤال أكبر: إلى متى يمكن أن يصمد هذا المنع، والعالم كله يتحرك في الاتجاه المعاكس؟
نحن لا نعيش فقط زمن الشاشات، بل ندخل زمناً تقوده الخوارزميات والذكاء الاصطناعي. المدرسة، العمل، الترجمة، البحث، الكتابة، الصورة، الخدمات العامة، وحتى العلاقات اليومية، كلها تتحول بسرعة. الطفل الذي نطلب منه اليوم أن يبتعد عن الهاتف، سنطلب منه غداً أن يتعامل مع أدوات ذكاء اصطناعي أكثر تعقيداً من الهاتف نفسه. وهنا يظهر التناقض: نغلق الباب أمامه الآن، ثم نطالبه بعد سنوات قليلة أن يدخل عالماً لا نعرف نحن الكبار حدوده بعد.
المنصات ليست جمعيات خيرية
السؤال الآخر أكثر حساسية: من يصنع هذه القوانين؟ في الغالب، جيل نشأ قبل الهاتف الذكي، قبل وسائل التواصل، وقبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من الحياة اليومية. هذا الجيل يحمل خوفاً مفهوماً من التحول الرقمي، لكنه أحياناً يخلط بين الحماية والحنين. فهو لا يريد فقط حماية الطفل من المخاطر، بل يريد أحياناً استعادة صورة قديمة عن الطفولة: طفل بلا شاشة، مدرسة بلا هاتف، وبيت بلا إشعارات. غير أن هذا العالم انتهى، أو يكاد.
هذا لا يعني أن نترك الأطفال وحدهم أمام شركات التكنولوجيا. فالمشكلة حقيقية. المنصات لا تعمل كجمعيات خيرية، بل كبنية تجارية تعرف كيف تستثمر في وقت الطفل، وبياناته، وفضوله، وضعفه. لكن تحميل الطفل وحده مسؤولية الخطر خطأ، وتحويل الهاتف إلى عدو مطلق خطأ أيضاً. الخطر ليس في الجهاز فقط، بل في من يصمم البيئة الرقمية، وفي غياب التربية الرقمية، وفي ضعف الحوار بين البيت والمدرسة والطفل.
المنع قد يهدئ قلق الكبار، لكنه لا يصنع وعياً عند الأطفال. لا يعلّمهم كيف تعمل الخوارزميات، ولا كيف يميزون المعلومة من التضليل، ولا كيف يحمون خصوصيتهم، ولا كيف يستخدمون الذكاء الاصطناعي دون أن يصبح بديلاً عن تفكيرهم. وقد يدفع المنع بعض الأطفال إلى الاستخدام السري، حيث تغيب المرافقة وتضعف الحماية.
لذلك لا يكفي أن نسأل: متى نعطي الطفل هاتفاً؟ أو في أي عمر يدخل وسائل التواصل؟ السؤال الأعمق هو: كيف نعدّ طفلاً سيعيش في عالم لا يستطيع أحد إلغاءه؟ كيف نحميه دون أن نعزله؟ كيف نضع حدوداً دون أن نسلبه القدرة على الفهم والمشاركة؟
قد تستطيع السويد أن تؤخر امتلاك الهاتف، وقد تستطيع أن تضع سناً قانونية لاستخدام المنصات. لكنها لن تستطيع أن تؤجل المستقبل. فالذكاء الاصطناعي لا ينتظر قوانين الكبار، والعالم الرقمي لا يعود إلى الوراء.
حماية الأطفال ضرورية. لكن حماية جيل الذكاء الاصطناعي بعقلية ما قبل الذكاء الاصطناعي قد تكون بداية المشكلة، لا نهايتها.
د. العيد بوعكاز