المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: في السنوات الأخيرة، تتجه السويد بخطى متسارعة نحو تشديد قوانين الهجرة والإقامة والجنسية، تحت شعارات “حماية المجتمع” و”تقليل أعداد المهاجرين”. لكن خلف هذا الخطاب السياسي الصاخب، يقف سؤال أخلاقي وإنساني واقتصادي لا يجرؤ كثيرون على طرحه بصراحة:
إذا كانت النتيجة هي تحطيم أحلام الناس وزرع الخوف في مستقبلهم، فلماذا فُتحت أبواب الهجرة من الأساس؟
آلاف الشباب جاؤوا إلى السويد وهم يحملون حلماً بسيطاً: أن يعيشوا بكرامة، وأن يدرسوا، وأن يعملوا، وأن يبنوا مستقبلاً مستقراً في بلد قيل لهم يوماً إنه يؤمن بالعدالة والفرص المتساوية. تعلّموا اللغة، واندمجوا في المجتمع، ودفعوا الضرائب، واحترموا القوانين. كثير منهم ترك أهله ووطنه وحياته القديمة لأنه صدّق أن التعب والاجتهاد يكفيان لصناعة مستقبل جديد.
لكن اليوم، يجد هؤلاء أنفسهم أمام واقع مختلف تماماً: قوانين تتغير باستمرار، وشروط تزداد قسوة، وإحساس دائم بأنهم، مهما فعلوا، لن يكونوا “كافيين” للبقاء بأمان.
لا أحد يعترض على محاربة الجريمة أو مواجهة من يرفض العمل والاندماج، فهذا حق طبيعي لأي دولة تحترم نفسها وتحمي مجتمعها. لكن الكارثة تبدأ عندما يتحول العقاب من فردي إلى جماعي، وعندما يُوضع الطالب المجتهد، والعامل الملتزم، والإنسان المنتج في الصورة نفسها مع من يسيء إلى المجتمع.
والأخطر اليوم أن بعض الأحزاب لم تعد تكتفي بتشديد قوانين الهجرة، بل بدأت تقترب حتى من المبادئ الأساسية المحمية بالدستور، من خلال دعم فكرة سحب الجنسية من مزدوجي الجنسية. فحين تصبح الجنسية أقل استقراراً لفئة معينة من المواطنين، تتضرر الثقة بالمساواة أمام القانون، ويشعر كثيرون بأن انتماءهم لهذا المجتمع يبقى مشروطاً مهما قدموا له.
يكفي أن تنظر إلى المستشفيات، ودور رعاية المسنين، والمصانع، وورش البناء، وقطاع النقل والطرق، وقطاعي التنظيف والخدمات، حتى تدرك أن نسبة ضخمة من العاملين هناك هم مهاجرون ولاجئون. هؤلاء لا يعيشون على هامش المجتمع كما يُصوَّر أحياناً، بل يقفون في قلبه، ويقومون بأعمال أساسية لا يستطيع المجتمع الاستغناء عنها.
وعندما تتقدم الأجيال السويدية في العمر، من سيعمل في قطاع الرعاية الصحية؟ ومن سيعتني بكبار السن؟ ومن سيدفع الضرائب التي تموّل نظام الرفاه الاجتماعي؟
السويد تعاني أصلاً من انخفاض مقلق في معدلات الولادة، وهذه ليست أزمة عابرة يمكن تأجيلها أو تجاهلها. فأي دولة لا تمتلك جيلاً شاباً كافياً للعمل والإنتاج ستواجه، عاجلاً أم آجلاً، أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة.
لكن بدلاً من بناء رؤية طويلة المدى لمعالجة هذه التحديات، يبدو أن الخطاب السياسي الحالي يركّز على الحلول السريعة وكسب الأصوات الانتخابية، حتى لو كان الثمن خسارة آلاف الشباب الذين اختاروا أن يكونوا جزءاً من هذا المجتمع.
لا أحد يقول إن السويد مُجبرة على استقبال الجميع، ومن حق أي دولة أن تضع القوانين التي تراها مناسبة. لكن عندما تستقبل بشراً، وتشجعهم على الدراسة والعمل والاستقرار، ثم تغيّر القواعد بطريقة تجعل مستقبلهم مهدداً في أي لحظة، فإن الأمر لم يعد مجرد سياسة هجرة، بل أصبح قضية أخلاقية تمس حياة الناس وأحلامهم وكرامتهم الإنسانية.
الهجرة ليست أرقاماً في تقارير الأحزاب السياسية، وليست مادة انتخابية تُستخدم لإثارة الخوف وكسب الأصوات. الهجرة تعني بشراً لديهم طموحات وقلق وأمل وتضحيات لا يراها أحد.
وأي مجتمع ينسى هذه الحقيقة، قد يكتشف بعد سنوات أنه لم يخسر المهاجر فقط، بل خسر جزءاً من مستقبله أيضاً.
فيروز لاوندي
سياسية محلية في حزب الاشتراكيين الديمقراطيين في رونبي