يبدو المشهد سوريالياً، كأنه هارب من صور ثربانتس، وهمٌ تحيله البروبغندا والأحقاد واقعاً ليس قابلاً للتصديق فحسب، بل مشهداً يلغي كل ما سواه ولحظةَ شماتة يتوقف عندها الزمن.

صواريخ تتطاير فوق الرؤوس في منطقة مهددة بأن تحترق، أو أن يتسيدها عدوها دون منازع، بينما ينشغل أناس بالشماتة من عواطف بعضهم. لا همّ لهم على السوشال ميديا إلا المناكدة واسترجاع ماض قريب، وآخر بعيد لم يتزحزح ثانية عن واقعة الطف.

بنت سياسة إيران في المنطقة من الأحقاد ما يكفي. خطاياها في سوريا جمّدت عواطف السوريين تجاه غول آخر أجهز على قدراتهم ومقدراتهم في لحظة سرقها من التاريخ.

جرائم إسرائيل ووحشيتها على المقلب الآخر تدفع الفلسطينيين المكتوين بنيرانها الآن ومنذ 77 عاماً إلى تلمس الأمل مع كل حرب يخوضها أحد أعدائها، غير أن الصورة الدعائية التي تسبق الحرب هي غيرها تلك التي تنتهي إليها. وغالباً ما تتحطم الأماني على صخرة القدرة الإسرائيلية المدعومة أمريكياً، والتي تكشف كل يوم عن حد جديد مخيف تصل إليه يدها.

“اضرب الظالمين بالظالمين”، مقولة يكررها المعادون لسياسة الحكومتين الإيرانية والإسرائيلية هذه الأيام. وليت الصورة بهذا التبسيط، لكن الحقيقة أن الحرب ستنتهي إلى منتصرين، ليس العرب من بينهم، أو إلى اتفاق ليس العرب أحد أطرافه.

لا أحد يسأل الشامتين على الطرفين عن عواطفهم، أو عن رأيهم في الحرب، لا أحد يسأل العرب كلهم في الحقيقة، حكاماً ومحكومين، عن مدى رضاهم. الحرب تجري فوق رؤوسهم وقد تطال أراضيهم وقد تفضي إلى نتائج تغير منطقتهم، غير أنه لا أحد يسألهم. فلا هم قادرون أن يكون له دور، ولاهم قادرون أن يجنّبوا أنفسهم ويلات الأدوار التي يلعبها غيرهم.

قدرة إسرائيل التي تجلت في السنوات الأخيرة مرعبة، اغتيال القيادات وتصفية الآلاف بكبسة زر، استباحة السماء وتدمير القدرات، كله يدعو للرعب لا للشماتة، لكن المرعب أكثر المواقف الغربية الرسمية التي تغض بصرها عن “الجرائم بحق المدنيين” طالما أنها ترتكب باسم الهجوم على “إرهابيين”، في سوريا ولبنان وغزة والمنطقة كلها.

كلكم قابلون لأن تتحولوا إلى “خسائر جانبية” يا سادة، أمس بدعوى صدام ثم حزب الله وحماس، واليوم إيران، وغداً…

إذا كان للسياسيين مصالحهم في لعبة الازدواجية الأخلاقية التي يلعبونها دائماً، فما مبررات الشعوب؟! ضحايا جرائم الحرب يفترض أن يكونوا أول من يتعاطف مع أمثالهم. الصواريخ والقذائف وآلات القتل لا تسقط على رؤوس عسكريين فحسب، بل إن معظم ضحاياها من المدنيين.

لا شيء يدعو للاختلاف

إذا رأيت جارك الإيراني في السويد خائفاً على مصير أهله في طهران، فتذكر مشاعرك والقلق يتخطفك على أهلك تحت القصف في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين. وتذكر أن الضعفاء أمثالك وأمثاله هم الضحايا دائماً.

لا شيء يدعو إلى أن يختلف الناطقون بالعربية في السويد حول هذه الحرب فهم من ضحاياها. ولا شيء يدعو للفرح، فالحرب أسوأ ما ابتكره البشر ولا جيد فيها سوى انتهائها. وفّروا صراخكم على بعضكم يا سادة وفكّروا ملياً كيف تخرجون من مأزق العصر الإسرائيلي القادم.

مهند أبو زيتون