تقول لي زميلتي المسيحية “لا يمر رمضان دون أن أصنع المعروك، إنها عادة جلبتها معي من بلدي الأم إلى السويد. كنا نعيش أجواء رمضان كما لو كانت لنا”. ويقول لي زميلي المسلم “في عيد الميلاد أنصب وأولادي الشجرة ونزينها”.
ليس هذا صورة تجميلية توفيقية للواقع. إنه الوضع الطبيعي للبشر حين تختلط الثقافات والديانات دون تأثر كبير بالأيديولوجيا والكراهية. في حين تبدو الأصوات التي “تحرّم” هذا التفاعل الثقافي، مجرد أصوات مزعجة وإن كثرت وإن علت.
يبدو هؤلاء، ومنهم SD، كمن يحاربون طواحين الهواء. قدر الجماعات الإثنية والدينية أن تتعارف وتتأثر ببعضها، مهما علت الحواجز الوهمية التي يصطنعها أصحاب الأيديولوجيا.
ليس غريباً أن يتفق SD مع إسلاميين متطرفين في هذا، فكلاهما ينطلق من ثقافة أحادية تريد البشر بفكر واحد وثقافة واحدة على عكس طبيعتهم المتنوعة والمختلفة.
في السويد سيتعودون الآن على “عيد موست”. وسيشرب السويديون “يول موست” 3 مرات في السنة بأسماء مختلفة. حفاوة وسائل الإعلام السويدية بـ”عيد موست” تقول الكثير في بلد ما زال يدافع عن تنوعه، رغم البروبغندا اليومية التي يبثها ثاني أكبر الاحزاب، ويتبعه فيها أطراف في الحكومة.
ماذا يريد SD بحملته المحمومة على رمضان؟ ألا يتناغم ذلك مع الأصوات المتطرفة التي تظهر كل ديسمبر لتحاول ثني المسلمين عن تقديم التهنئة للمسيحيين؟ هل يساعد ذلك في بناء مجتمع هادئ ومستقر أم يزيد العزلة والكراهية بين أناس يعيشون معاً ويعملون معاً ويشعلون الأنوار احتفالاً بالميلاد ورمضان، كل حسب اعتقاده.
حلقة في مسلسل
في حين كان رئيس الوزراء أولف كريسترشون يهنئ المسلمين بحلول رمضان، كان SD يقول لمتابعيه على السوشال ميديا “رمضان لا ينتمي للسويد.. هل تؤيدونني؟”، في حلقة من مسلسل بدأه في البرلمان الأوروبي ضد كل ما هو مسلم.
في السويد اليوم نحو مليون مسلم، يحتفل معظمهم برمضان، تديناً أو ثقافة، وهؤلاء ينتمون للسويد، كما أن هناك بوذيين ويهود وهندوس ومندائيين، فهل على كل هؤلاء أن يخفوا ثقافاتهم، لأن ثقافة جيمي أوكيسون مسيحية (رغم أنه غير متدين)؟
الباحث في العلوم الدينية وتاريخ الأديان والأستاذ في جامعة سودرتورن، سيمون سورغنفراي قال لصحيفة داغينز نيهيتر إن رمضان أصبح جزءاً من الحياة الاجتماعية لكثير من المسلمين في السويد، حتى لدى من لا يمارسون الشعائر الدينية بشكل منتظم.
وأشار سورغنفراي إلى أن رمضان يُحتفل به في السويد منذ تسعينات القرن التاسع عشر، حين انتقل إلى البلاد إبراهيم عمركاجيف، الذي يُعرف عادة بأنه أول مسلم في السويد.
وذكر أن صحيفة إكسبريسن نشرت في 1946 أول تقرير صحفي عن احتفال المسلمين برمضان في السويد، تلاها تقرير آخر في “داغينز نيهيتر” عام 1956 عن المسلمين في ستوكهولم.
هذا قبل أن يولد أوكيسون، رغم أن الأمر ليس مباراة في القِدم. الأمر ببساطة أن أي مجموعة صغرت أو كبرت ستندمج بثقافتها في ثقافة البقية وستتفاعل تفاعلاً جدلياً، أما البديل عن ذلك فهو أن تصبح السويد دولة من بعض دول الشرق الأوسط فعلاً، الأمر الذي يحذر منه أوكيسون وحزبه دائماً، فحينها ستقام الجدران العالية بين الثقافات والأديان، وسيغرق المجتمع في أمواج متتالية من الكراهية.
السويد وحيدة الثقافة وهم متخيل، والبروبغندا التي تروج له، لن تفعل سوى تقسيم المجتمع ونشر الكراهية. ومواجهة ذلك لا تكون بالانغلاق الذي تدعو له بعض أصوات مهاجرة بزيادة العوازل بين “نحن” و”هم” عبر محاولة استلاب المسلمين وتغريبهم أكثر عن مجتمعهم.
رمضان كريم للسويد، كما هو ميلاد مجيد، وكل عام وبلدنا أكثر تنوعاً وتسامحاً وأقل كراهية.
مهند أبو زيتون
ملاحظة: الصورة معدلة بالذكاء الاصطناعي وليست حقيقية