المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: بينما تتصاعد موجة الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، وتزدحم المنصات السياسية بعبارات “حل الدولتين” و“حق تقرير المصير” تدور خلف الكواليس لعبة أكثر تعقيداً مما يبدو. فالمجتمع الدولي يطرح الدولة الفلسطينية كفكرة عامة لكنه يتجنب عمداً الأسئلة الأساسية التي تحدد ما إن كانت هذه الدولة حقيقية أم مجرد غلاف سياسي فارغ.

السؤال اليوم لم يعد: هل ستقام دولة فلسطينية؟ بل: أي نموذج من الدولة يراد للفلسطينيين؟ دولة بلا حدود ولا القدس ولا عودة؟
في الوقت الذي يعلن فيه بعض العالم دعمه لقيام دولة فلسطينية يكتفي هذا الدعم بالعموميات بينما تستبعد من النقاش القضايا الجوهرية: حدود الدولة، السيادة على القدس، حق عودة اللاجئين

ورغم أن الاحتلال يرفض هذه القضايا بشكل معلن وقاطع فإن معظم الدول لا تقترب منها بل تكتفي بإشارات عامة تبقي “حل الدولتين” شعاراً يصلح للخطابات لكنه بلا مضمون فعلي.

دولة منقوصة السيادة

حراك سياسي دولي متسارع يقدم على أنه اختراق تاريخي لكنه في الحقيقة يعيد إنتاج نفس الصيغة القديمة:
دولة فلسطينية منقوصة السيادة، تعمل ضمن قيود أمنية وسياسية تحددها إسرائيل، وتباع للعالم باعتبارها “الحل النهائي”.

ما يطرح الآن ليس دولة بل كيان يؤدي وظائف محددة، دون أن يمتلك أدوات سيادية حقيقية.

ترامب يدخل المشهد

المشاريع التي طرحها ترامب وما يلمح إليه اليوم تنطلق من رؤية واضحة: كيان بلا جيش، بلا حدود واضحة، بلا سيادة، دون القدس، ودون حق العودة.

هي ليست تسوية بل صيغة تغلق الملف الفلسطيني دون حله وتضمن أمن الاحتلال أولاً وآخراً.

هل سيقبل الاحتلال؟

حتى هذا النموذج المبتور للدولة لا يقلق الاحتلال فحسب بل يعتبره خطراً.
المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية من أعلى الهرم إلى أدنى مستوياته تعلن بوضوح رفضها لأي دولة فلسطينية ولو كانت مجرد كيان إداري بلا مقومات. فوجود دولة فلسطينية حتى لو كانت ضعيفة ومرتهنة ينسف الرواية التوسعية التي يقوم عليها المشروع الاستيطاني.

وماذا عن القيادة الفلسطينية؟

قبول دولة منزوعة السيادة والحدود، بلا القدس، وبلا حق العودة يعني شطب القضية وليس حلها.
من الصعب لأي قيادة تحمل إرث شعب ناضل لعقود أن توافق على مشروع كهذا لأن ثمنه السياسي والتاريخي أثقل من أن يحمل.

محاولة لتصفية القضية لا لحلها

ما يجري اليوم ليس مشروع سلام بل مشروع إنهاء ملف القضية الفلسطينية دون الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني. وما لم تحسم ملفات القدس والحدود واللاجئين فإن أي “دولة” يتم الحديث عنها ستبقى شكلاً بلا محتوى.

الفلسطينيون لم يصمدوا عشرات السنين كي يحصلوا على دولة منقوصة بل من أجل دولة حقيقية تعكس هويتهم وحقوقهم ووجودهم التاريخي. والعالم إن أراد سلاماً فعلياً فعليه أن يواجه الأسئلة التي يحاول الهروب منها لا تجميلها بشعارات سياسية.

د. علي هدروس
عضو في البرلمان المحلي في مدينة لاندسكرونا