المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: عند الحديث عن الاندماج في السويد، غالباً ما ينحصر النقاش في تعلم اللغة، الحصول على عمل، أو فهم القوانين. لكن هناك جانب أساسي لا يحظى بالاهتمام الكافي، رغم تأثيره المباشر على كل ما سبق، وهو الصحة النفسية للوافدين الجدد.
كثيرون يصلون إلى السويد بعد تجارب قاسية، مثل الحروب، الفقدان، أو الهجرة القسرية. هذه التجارب لا تختفي بمجرد الوصول إلى بلد آمن، بل ترافق الإنسان وتؤثر على قدرته على البدء من جديد. ومع ذلك، يُتوقع من الوافد الجديد أن يتأقلم بسرعة، وأن يكون منتجاً، دون التوقف عند حالته النفسية.
أحد أكبر التحديات التي يواجهها الوافدون الجدد هي العزلة. فصعوبة اللغة، والبعد عن العائلة، وعدم وجود شبكة اجتماعية، تجعل كثيرين يشعرون بالوحدة حتى بعد سنوات من الإقامة. هذه العزلة لا تكون دائماً مرئية، لكنها تترك أثراً عميقاً، وقد تؤدي إلى القلق، الاكتئاب، أو فقدان الدافع.
الشعور بعدم الاستقرار يلعب دوراً
إلى جانب ذلك، تأتي الضغوط اليومية. القلق بشأن الإقامة، البحث عن عمل، التعامل مع المؤسسات، والخوف من المستقبل. وفي هذا السياق، يمكن أن تسهم سياسات الإقامة المؤقتة وعدم اليقين القانوني بشأن البقاء في زيادة هذا الشعور بعدم الاستقرار لدى بعض الوافدين الجدد. فعندما يعيش الإنسان وهو غير متأكد مما إذا كان سيُسمح له بالبقاء بعد سنة أو سنتين، يصعب عليه التخطيط للمستقبل أو بناء حياة اجتماعية أو مهنية مستقرة.
كما أن الخطاب السياسي المتشدد تجاه الهجرة قد يضيف عاملًا نفسياً آخر، إذ يشعر بعض الوافدين بأنهم غير مرغوب بهم أو أنهم عبء على المجتمع، وهو ما قد يؤثر على صحتهم النفسية وشعورهم بالأمان.
و في كثير من الأحيان يُساء فهم هذا الانسحاب أو البطء على أنه عدم رغبة في الاندماج، بينما هو في الحقيقة انعكاس لحمل نفسي ثقيل.
وهنا يمكن الإشارة إلى مثال ورد في كتاب للطبيبة النفسية ماريا سوندفال، حيث تحدثت عن طالب في برنامج SFI كان يجد صعوبة في تعلم اللغة بسبب ذكريات صادمة مرتبطة بالحرب وفقدان أحبّة. هذا المثال يوضح كيف يمكن للحالة النفسية أن تؤثر مباشرة على خطوات الاندماج الأساسية، حتى في أمور تبدو بسيطة مثل تعلم السويدية.
وتشير دراسات دولية إلى أن تدهور الصحة النفسية يمكن أن يقلل من فرص الحصول على عمل لدى اللاجئين مقارنة بغيرهم، ما يعزز العلاقة بين الصحة النفسية والمشاركة في المجتمع. كما تؤكد منظمة الصحة العالمية (WHO) أن معدلات الاكتئاب والقلق تكون أعلى لدى اللاجئين والمهاجرين مقارنة بالسكان المحليين في الدول المستقبلة.
ورغم توفر خدمات الصحة النفسية في السويد، فإن كثيراً من الوافدين لا يلجؤون إليها. بعضهم يخشى الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالحديث عن الصحة النفسية، وبعضهم الآخر لا يعرف أصلًا كيف أو أين يطلب المساعدة. كما أن حواجز اللغة والثقافة قد تجعل التواصل مع الجهات المختصة أمراً معقداً.
برأيي، لا يمكن الحديث عن اندماج ناجح دون الاعتراف بأهمية الصحة النفسية. فالإنسان الذي يعاني نفسياً، مهما كانت القوانين أو الفرص متاحة أمامه، سيجد صعوبة في الاستفادة منها. دعم الصحة النفسية يجب أن يكون جزءاً أساسياً من برامج الاندماج، وليس مسألة ثانوية.
الاهتمام بالصحة النفسية للوافدين الجدد لا يخدم الأفراد فقط، بل يخدم المجتمع ككل. مجتمع يشعر فيه الناس بالأمان والدعم، هو مجتمع أكثر قدرة على الاندماج، المشاركة، وبناء مستقبل مشترك.
مايا صليبا