المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: تتجه الحكومة السويدية إلى اعتماد ما يُعرف بـ”العقد السويدي”، وهو التزام رسمي سيُطلب من المهاجرين الجدد توقيعه كشرط أساسي للاستقرار في البلاد. يحدد العقد ما ينتظره المجتمع السويدي من الوافدين: احترام القوانين، المشاركة في سوق العمل، المساواة الكاملة بين الجنسين، وحماية حقوق الأطفال والفتيات، خصوصاً في ما يتعلق بحرية التعليم، اختيار الأصدقاء، والزواج.

المقترح يربط العقد بشكل مباشر بمفهوم “ثقافة الشرف”، التي تراها الدولة عائقاً أمام اندماج النساء في المجتمع، وأحد أهم أسباب العزلة الاجتماعية داخل بعض المجموعات المهاجرة. ومن المقرر أن يصبح التوقيع على العقد شرطاً للحصول على الجنسية والمساعدات الاقتصادية، مع استمرار النقاش حول آليات العقوبات في حال عدم الالتزام.

فجوة في القيم

من خلال تجربتي كمدرب للمعلمين الذين يقدمون مادة samhällsorientering للمهاجرين الجدد، أرى أن العقد السويدي ليس وثيقة إدارية فقط، بل انعكاس لرغبة الدولة في ترسيخ تصور جديد للاندماج. لقد واجهنا في الدروس مواقف عديدة تكشف حجم الفجوة بين قيم المجتمع السويدي وقيم بعض الوافدين.

أحد المشاركين رفض فكرة أن الطفل يملك الحق في التحدث مع Socialtjänsten إذا تعرض للعنف المنزلي، معتبراً ذلك تعدياً على “سلطة الأب”. هنا يصبح العقد أداة توضيح، لأنه ينقل الأمر من نقاش ثقافي إلى التزام قانوني وأخلاقي. وفي موقف آخر، اعترضت سيدة على مبدأ المساواة قائلة: “من الطبيعي أن يقرر الزوج أين تذهب زوجته”. كان النقاش مع المجموعة لحظة مفصلية: إذا أرادت هذه السيدة البقاء في السويد، فستحتاج إلى قبول قاعدة أن المرأة ليست ملحقة بالرجل بل فرد مستقل. العقد يأتي ليحسم مثل هذه الجدليات من البداية.

لكن يبقى السؤال الأعمق: إذا التزم المهاجر بهذا العقد، هل هناك ما يُلزم المجتمع السويدي بالمقابل أن يعامله كشريك كامل الحقوق والواجبات؟ هل ستبقى المواطنة مرهونة بالعرق السويدي والتاريخ الطويل في البلاد، أم أنها ستُمنح لكل من يؤمن بالحرية، ويشارك في العمل والبناء، ويثبت التزامه بالقيم الديمقراطية؟

إن نجاح العقد لا يُقاس فقط بقدرة الدولة على فرضه، بل بقدرتها على تحويله إلى جسر ثقة متبادل. فالمهاجر لا يريد أن يعيش كمراقَب أو كضيف مؤقت، بل كمواطن يجد مكانه في مشروع المجتمع المشترك. وإذا لم يُترجم العقد إلى شراكة حقيقية، فقد يبقى مجرد أداة فرز جديدة تزيد من مسافة الاغتراب بدل أن تقرّبها. والمسؤولية هنا لا تقع على المهاجر وحده، بل أيضاً على المجتمع السويدي الذي عليه أن يفتح الأبواب أمام المساواة الحقيقية في سوق العمل والمشاركة السياسية، حتى لا يتحول العقد من وسيلة حماية للقيم الديمقراطية إلى أداة لاستبعاد الشركاء الجدد في بناء الوطن.

فاروق الدباغ