المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: ينطلق في أنحاء السويد “الأسبوع البرتقالي – أسبوع بلا عنف”، وهو مبادرة وطنية تهدف إلى مواجهة العنف داخل العلاقات القريبة، خصوصاً العنف الموجّه ضد النساء. وتشارك الشرطة السويدية، إلى جانب مؤسسات تعليمية واجتماعية متعددة، في هذه الحملة التي تؤكد أن العنف الأسري ليس مسألة خاصة أو داخلية، بل قضية مجتمعية تمسّ الأمن والاستقرار والصحة النفسية.
من هذا المنطلق، أجد بوصفي إماماً ورئيس مجلس الإفتاء في السويد أن هناك قيمة كبيرة في المشاركة في هذا الأسبوع، لما يحمله من توافق حقيقي بين القيم الدينية والنتائج العلمية المعاصرة. فالإسلام في أصوله—من القرآن الكريم والسنة النبوية—يؤكد رفضه الواضح للعنف بكل أشكاله، وخاصة داخل الأسرة.
الإسلام… إطار أخلاقي يحمي الأسرة
يضع الإسلام الأسرة في مركز البناء الاجتماعي، ويجعلها فضاءً للرحمة والاحترام. يقول الله تعالى: «وعاشروهنّ بالمعروف»، وهي قاعدة تشريعية تبني العلاقة الزوجية على اللطف والعدل والسلوك الكريم. كما يظهر هذا المبدأ بوضوح في وصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيراً»، التي تعكس احتراماً عميقاً للمرأة ودورِها.
أما الأم، فقد خصّها الإسلام بتكريم استثنائي يظهر في الحديث الشريف: «أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبيك»، وفي الآية التي تؤكد جهدها وتضحيتها: «حملته أمّه كرهًا على كره…».
ومن هذا المنظور، فإن أي مبرّر يُقدّم لممارسة العنف داخل الأسرة يتعارض مع المبادئ الأخلاقية الأساسية للدين.
منظور اجتماعي ونفسي: الأسرة نقطة البداية
وفقًا لعلوم الاجتماع والنفس، فإن الأسرة هي النواة التي يبدأ منها الاستقرار النفسي والسلوك الاجتماعي السليم. والعنف داخل الأسرة لا يبقى محصوراً داخل جدران المنزل؛ بل يمتد أثره إلى الصحة النفسية للأطفال، والأداء المدرسي، والعلاقات الاجتماعية، وحتى معدلات الجريمة في المجتمع.
ويربط القرآن بين قطع الروابط الأسرية وانتشار الفساد: «فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم». وهذا يتقاطع بشكل واضح مع الأبحاث الحديثة التي تؤكد أن العنف الأسري عامل رئيس في الإخلال بالتماسك الاجتماعي.
تعاون الشرطة… بُعد أمني ومجتمعي
إن مشاركة الشرطة السويدية في فعاليات الأسبوع البرتقالي خطوة مهمّة، لأنها تعكس النظرة الحديثة للعنف الأسري باعتباره قضية أمنية وليست خاصة.
فتح أبواب التواصل مع الضحايا، وتقديم الدعم المهني لمن يمارس العنف ليتوقف عنه، والتوعية في المدارس ومراكز الشباب هي إجراءات تستند إلى دراسات تؤكد أن الوقاية المبكرة تقلّل من المخاطر على المدى البعيد.
ويتقاطع هذا الدور مع مبدأ إسلامي واضح: حماية الضعيف ومنع الظلم مسؤولية مجتمعية لا يجوز السكوت عنها.
نحو حضور إيجابي للمسلمين في السويد
في ظل تصاعد الخطابات المتطرفة أحياناً وسوء الفهم تجاه الجاليات المهاجرة، يصبح لزاماً علينا أن نقدّم صورة صادقة عن قيمنا، وأن نُظهر التقاءها مع الجهود الوطنية في احترام حقوق الإنسان، وحماية المرأة، وصون الأسرة.
إن مشاركتنا في هذا الأسبوع ليست مجرد خطوة رمزية، بل إعلان بأن الإسلام يقف مع كرامة المرأة، ورفاه الطفل، وسلامة الأسرة، والأمن الاجتماعي الذي تعمل من أجله الدولة السويدية ومؤسساتها.
العنف داخل الأسرة ليس شأناً خاصاً. هو قضية أخلاقية، اجتماعية، نفسية، وقانونية. وديننا يرفضه، والعلم يحذّر من عواقبه، والشرطة السويدية تعمل على منعه، والمجتمع بأسره يتكاتف لمواجهته.
إن ما يجمعنا—رغم اختلاف الخلفيات—هو الرغبة في مجتمع آمن، وأسر مستقرة، وكرامة تُصان للجميع.
الشيخ سعيد عزّام
رئيس مجلس الإفتاء في السويد