المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: تقدّم الحكومة السويدية قانون “العودة الطوعية” بوصفه سياسة عقلانية، إنسانية، ومحايدة سياسياً؛ خياراً فردياً مدعوماً مالياً يحترم حق الإنسان في تقرير مصيره. غير أن هذا الخطاب الناعم يخفي خلفه توجّهاً سياسياً حاداً، يبتعد عن جوهر الحلول، ويقترب أكثر من منطق التنصّل من المسؤولية. فالقانون، في جوهره، لا يعالج فشل سياسات الاندماج، بل يحاول إخفاءه تحت غطاء “الاختيار”، وكأن المشكلة لم تكن يوماً في السياسات، بل في الناس أنفسهم.

ما تفعله الحكومة هنا ليس ابتكار أداة جديدة، بل إعادة تسويق للعجز. حين تفشل سياسة عامة في تحقيق أهدافها، يفترض منطقياً أن تُراجَع أسسها: لماذا لم ينجح الاندماج؟ لماذا بقي الوصول إلى سوق العمل محدوداً؟ لماذا لم تُحل معضلة اللغة، والاعتراف بالمؤهلات، والتمييز البنيوي؟ لكن بدل طرح هذه الأسئلة الصعبة، اختارت الحكومة الطريق الأسهل سياسياً: دفع المال مقابل المغادرة. وكأن الرسالة تقول بوضوح، وإن لم تُنطق صراحة: إذا لم تنجح هنا، فربما لا مكان لك هنا أصلاً.

هذا القانون لا ينقل المسؤولية من الحكومة إلى الفرد فحسب، بل يعيد تعريف العلاقة بين الطرفين. فالحكومة التي تستثمر في الناس تفعل ذلك لأنها تؤمن بأن الاندماج مشروع طويل الأمد، يتطلب صبراً وإرادة سياسية. أما الحكومة التي تعرض المال مقابل الرحيل، فهي تعلن عملياً أن هذا الاستثمار له حدود، وأن الصبر قد نفد، وأن الحل لم يعد في الإصلاح، بل في الإقصاء الناعم. وجودك، وفق هذا المنطق، لم يعد قيمة بحد ذاته، بل ملفاً يمكن إغلاقه بشيك.

الحديث عن “الطوعية” هنا أقرب إلى التلاعب بالمصطلحات منه إلى توصيف واقعي. فالاختيار الحر لا يُبنى في بيئة مختلّة. كيف يمكن الحديث عن طوعية حقيقية في ظل بطالة مزمنة، وعقود عمل هشة، ونظرة اجتماعية تشكّك في الانتماء؟ حين تُعرض مبالغ كبيرة على أشخاص يعيشون أصلاً على هامش اقتصادي ونفسي، يصبح القرار عقلانياً من حيث النجاة، لا حراً من حيث المبدأ. هذه ليست حرية اختيار، بل سياسة دفع محسوبة، تمارس ضغطها بصمت وتتنصّل من تبعاته.

الاندماج ليس حقاً مضموناً

الأخطر من ذلك هو الأثر الرمزي والاجتماعي لهذا القانون. فهو لا يخاطب فقط من قد يختار المغادرة، بل يبعث برسالة إلى كل من بقي: الاندماج ليس حقاً مضموناً، والدعم ليس التزاماً طويل الأمد، والانتماء مشروط بالنجاح السريع. هكذا تُفكّك الحكومة العقد غير المكتوب بينها وبين المجتمع، العقد القائم على فكرة أن الاندماج مسؤولية مشتركة، لا اختباراً يُقصى من يفشل فيه.

اقتصادياً، لا يقل هذا التوجّه عبثية. فالحكومات التي أنفقت مليارات على الاستقبال، والتعليم، والتأهيل، ثم تأتي حكومة مدفوعة بأفكار شعبوية لتدفع أموالاً جديدة مقابل المغادرة، تبدو وكأنها تقول ضمنياً: يمكن إخفاء النتائج بالمال بدل معالجة الأسباب التي أدّت إلى الفشل. وهو منطق خطير، لأنه قابل للتعميم: إذا لم ينجح النظام، نغيّر الأشخاص، لا النظام نفسه. فإذا لم ينجح التلميذ في المدرسة، نُخرجه بدل إصلاح التعليم. وإذا لم يَشفَ المريض، نلومه بدل مراجعة النظام الصحي. وإذا لم يندمج الإنسان، نعرض عليه المال ليغادر بدل الاعتراف بأن السياسات فشلت. هذا منطق إدارة العجز لا منطق الحكم المسؤول، ومنطق يُحمِّل الفرد ثمن خلل لم يصنعه، ويحوّل الفشل البنيوي إلى “اختيار شخصي”.

سياسياً، لا يمكن فصل هذا القانون عن تصاعد الخطاب الشعبوي حول الهجرة. فالقانون يؤدي وظيفة رمزية بامتياز: يطمئن جزءاً من الرأي العام بأن الحكومة “تتصرّف”، حتى لو كان هذا التصرف لا يمس جذور المشكلة. إنها سياسة إدارة الانطباع لا إدارة الواقع، وتقديم حلول شكلية بدل مواجهة التحديات الحقيقية.

الاعتراض على قانون “العودة الطوعية” ليس مسألة تعاطف أو عاطفة، بل مسألة عقل سياسي ومسؤولية أخلاقية. فهذا القانون لا يبني مجتمعاً أكثر تماسكاً، ولا يعالج فشل الاندماج، ولا يقدّم رؤية مستقبلية. إنه ببساطة إعلان عن تراجع الطموح: حكومة اختارت أن تشتري الخروج بدل أن تتحمّل كلفة الإصلاح، وأن تدير الفشل بدل أن تواجهه. وهذا، في حد ذاته، أخطر ما في الأمر.

كاوا العيسى