أرسل لي أحد الأصدقاء رابطًا لمقال رأي نشرته المسائية السويدية “أفتونبلادت” اليوم الجمعة، موقع باسم دانييل آيزنبري، الذي عرّف بنفسه بأنه مواطن سويدي من أصول يهودية. الصديق، الذي هو أيضًا سويدي ولكن من أصول فلسطينية، وليكن اسمه هاني، قال لي إنه شعر بالأسف وحتى بالحزن، لأن الكاتب بات لا يشعر بالأمان في السويد فقط لأنه يهودي، ولأنه يرى أن حتى أصدقائه يلتزمون الصمت ولا يتكلمون عمّا اعتبره موجات كراهية ضد اليهود.
نعم، من المؤسف أن يشعر يهود في السويد بالخوف، فهذا أمر خاطئ، ويمكن أن نتفهمه. فبعد هجمات 11 سبتمبر 2001، واجه المسلمون في العالم الغربي موجة من الشكوك والضغط لإعلان التبرؤ علنًا من “الجهادية” فقط ليُقبلوا كـ”مسلمين صالحين”. وربما يحدث أمر مشابه اليوم، حيث يُتوقع من اليهود أن يتبرؤوا من حكومة إسرائيل المتطرفة حتى يُنظر إليهم كـ”يهود صالحين”.
فيما يشتكي العديد من الفلسطينيين أنهم دائمًا مطالبون بالتبرير بأنهم ليسوا إرهابيين، ودائمًا يجب أن يدافعوا عن أنفسهم من تهم مسبقة تلاحقهم مثل معاداة السامية، ودعم الإرهاب وتمجيده.
في حديثي مع هاني، قال لي: أود أن أقول لدانييل، ولكل اليهود في السويد، إنه إذا تعرضتَ أنت أو أي يهودي في هذا البلد للخطر، فسأكون أنا وكثير من الفلسطينيين في السويد أول من يدافع عنكم. ونحن فعلاً نقوم بذلك طوال الوقت قبل وبعد السابع من أكتوبر، نحن ببساطة لم نسمح، ولن نسمح أبدًا، بأن تنتشر الكراهية ضد اليهود باسم فلسطين وقضيتها العادلة. ويتابع هاني:.
تمامًا كما يرفض كثير من اليهود في السويد وحول العالم السماح بارتكاب جرائم حرب باسمهم، من المفترض من الفلسطينيين بالدرجة الأولى أن يرفضوا تحويل نضالهم من أجل الاستقلال والعدالة إلى منصة للكراهية أو الانتقام الأعمى، خاصة عندما يتعلق الأمر بمجموعات نتقاسم معها مفهوم المواطنة الواحدة.
ليس صراعًا دينيًا
يوضح دانييل في مقاله أنه يهودي ينتمي إلى الجيل الثالث في السويد، حيث لجأ جده وجدته من ألمانيا هربًا من المحرقة النازية، وأنه هو وجده وجدته وأحفاده اندمجوا في المجتمع السويدي ومارسوا عاداته وتقاليده، والآن يشعر أن حتى أصدقائه تخلوا عنه. أحد المتابعين علّق على المقال قائلًا إن دانييل يلعب دور الضحية، ولا يذكر أي شيء عن السبب الحقيقي عن شعوره هذا، وهو ما يقوم به نتنياهو وحكومته من جرائم حرب في غزة.
بالمقابل هناك تعليقات أيضا تعاطفت بالتأكيد مع دانييل.
لا شك أن ما يجري الآن في الشرق الأوسط، ومنذ تأسيس دولة إسرائيل وما سبقه من أعوام الانتداب البريطاني، ليس صراعًا بين اليهود والفلسطينيين، بل هو قضية احتلال، وتهديد اليوم بالتطهير العرقي تقوده حكومة إسرائيلية يمينية متطرفة.
إذا فهم الفلسطينيون واليهود جوهر هذا الصراع، عندها يمكن أن يفهم الآخرون أن مصدر الخوف الحقيقي ونشر الكراهية في المجتمع إجمالًا ينبع من سياسات نتنياهو وحكومته، لا من الفلسطينيين أو المسلمين في السويد، مع عدم إنكار حالات تطرف وتعصب ديني وقومي قد يمارسها بعض الأفراد من الطرفين.
الإبادة ليست باسم اليهود والكراهية ليست باسم الفلسطينيين
حرب نتنياهو ضد الشعب الفلسطيني لا تمثل جميع اليهود. هناك كثير منهم، في العالم وحتى في داخل إسرائيل، يعارضون الحرب ويطالبون بوقفها. فيما نرى تيارات في دول ديمقراطية تنظر لإسرائيل كأنها جزء من العالم الغربي المتقدم والموجود في محيط متخلف ومعادٍ لها، كما أن أنظمة استبدادية تقف اليوم مع نتنياهو وتدعمه، خوفًا من تكرار ما يسمونه “نموذج حماس” في دولهم. وهذه ليست مفارقة أن تلتقي دول ديمقراطية مع أنظمة استبدادية على موقف موحّد في دعم نتنياهو وحكومته.
الخوف يكبر اليوم لأن الحكومة الإسرائيلية الحالية ترفض الاستماع حتى لشعبها، ولا تريد إنهاء الحرب أو إعادة الرهائن إلا بشروط تعني عمليًا التهجير القسري، والتطهير العرقي، و”حل” القضية الفلسطينية بتفكيكها على الطريقة التي يريدها نتنياهو: التطهير العرقي، والاستيلاء على أراضٍ جديدة من دون سكانها، ودفن فكرة الدولة الفلسطينية إلى الأبد.
واجبنا جميعًا حماية نعمة حرية التعبير والرأي
حتى لو كان دانييل أو أي شخص آخر في السويد مؤيدًا لنتنياهو، فإن ذلك يقع ضمن حرية الرأي التي يتيحها لنا جميعًا المجتمع السويدي، وهي نفس حرية التعبير التي تتيح لي كتابة هذا المقال والتعبير عن رأيي، وهي نفس الحرية التي يجب أن يشعر بها ويمارسها أصحاب التوجهات السياسية والفكرية والدينية والجنسية المتنوعة.
الحرية التي يجب عليّ وعليك أن نحميها وندافع عنها. حرية التعبير واحدة من أثمن القيم في مجتمعنا المشترك، وهي حق لنا جميعًا.
في النهاية، من المهم أن يشعر دانييل وهاني بالمواطنة السويدية الجامعة التي توحّدنا جميعًا، شعورًا وممارسة لا تتعارض مع هويتنا الدينية أو الثقافية. هذا الانتماء المشترك هو ما يجعلنا نقف معًا ضد الظلم والكراهية، ونحمي بعضنا بعضًا بغض النظر عن الخلفية أو المعتقد.
السويد هي وطننا المشترك، وعلينا جميعًا مسؤولية الحفاظ عليه، ليكون بلدًا آمنًا وعادلًا للجميع.
محمود آغا