المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: عندما يسمع السويدي عبارة «المجتمع الموازي»، ربما تتشكل في ذهنه سريعاً صورة حي تسكنه غالبية من أصول أجنبية، محال تحمل أسماء عربية، عائلات لا تتحدث السويدية في المنزل، وربما سلطة للعائلة أو العشيرة أو الدين تنافس سلطة المجتمع.

هذه الصورة ليست بلا أساس تماماً. لكن ماذا لو كان أخطر مجتمع موازٍ لا يبدأ من عنوان السكن، بل من اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن الثقة بالمؤسسات التي يفترض أنها تمثله؟

هذا السؤال أصبح أكثر أهمية بعد صدور التحقيق الحكومي الجديد SOU 2026:53 حول البنى المجتمعية الموازية، والذي تسلمته وزيرة التعليم والاندماج سيمونا موهامسون في 19 أغسطس/آب.

التقرير يشير إلى مشكلات حقيقية لا ينبغي تجميلها أو الهروب منها: بنى جماعية وأبوية، ضعف في الثقة، ضعف قبول بالعقد المجتمعي، وفي بعض البيئات أنظمة موازية لحل النزاعات أو الاقتصاد أو نقل المعلومات، وفي الحالات الأخطر شبكات إجرامية قد تحاول اختراق مؤسسات المجتمع.

هذه قضايا خطيرة. ومن الخطأ أن يدافع المهاجر عنها بحجة أن الحديث عنها «عنصرية»، مثلما سيكون من الخطأ اعتبار كل مهاجر جزءاً منها.

لكن وسط التقرير توجد جملة ربما تستحق نقاشاً أكبر بكثير: الفصل السكني، والإقصاء، والتمييز يمكن أيضاً أن تسهم في نشوء المجتمعات الموازية واستمرارها.

وهنا تتغير زاوية النظر. لأن الاندماج ليس امتحاناً يؤديه المهاجر وحده بينما يجلس المجتمع خلف الطاولة ليقرر إن كان قد نجح أو فشل. إنه علاقة بين طرفين.

مفارقة الجيل المولود في السويد

قبل أسابيع من صدور التقرير، قدمت هيئة الإحصاء السويدية SCB نتائج أولية مثيرة للاهتمام ضمن دراسة جديدة لقياس الاندماج الديمقراطي والاجتماعي والثقافي.

النتائج تحتوي على مفارقة تستحق التأمل.

فالسويديون المولودون في البلاد لأبوين مولودين في الخارج يميلون، بصورة عامة، إلى إظهار ثقة أقل بالمؤسسات المجتمعية التي شملتها الدراسة مقارنة بالمجموعات الأخرى.

وهم كذلك أقل تفاؤلاً بشأن السويد كبلد للعيش، وأقل ميلاً إلى الاعتقاد بأن جميع الناس يعاملون بصورة متساوية.

توقفوا قليلاً أمام هذه النتيجة. نحن لا نتحدث عن شخص وصل إلى السويد قبل عامين، ولا يتحدث اللغة، ولا يعرف كيف تعمل المؤسسات.

نحن نتحدث عن إنسان ولد هنا. ذهب إلى المدرسة السويدية، وتحدث اللغة مع زملائه، وشاهد برامج الأطفال نفسها، وعرف أسماء الأحزاب ورقم الشخص والـBankID وربما لا يعرف وطناً آخر مثلما يعرف السويد.

ومع ذلك تظهر مشكلة في الثقة. هنا يصبح من السهل جداً أن نقول: المشكلة في «قيم الأسرة المهاجرة».

وقد تكون الأسرة جزءاً من التفسير في بعض الحالات. لكنها لا تستطيع وحدها تفسير كل شيء.

السؤال الآخر الذي يجب ألا نخاف منه هو: ماذا حدث لهذا الطفل بين المدرسة وسوق العمل والشرطة والحي والإعلام والسياسة حتى أصبح أقل ثقة من أبيه الذي جاء إلى السويد مهاجراً؟

يمكن أن تتعلم اللغة ولا تشعر أنك تنتمي

لسنوات طويلة قاست السويد الاندماج بأدوات يمكن عدّها بسهولة: هل يعمل المهاجر؟ هل تعلم اللغة؟ هل أكمل دراسته؟ هل يعيش على الإعانات؟

كلها أسئلة ضرورية. لكن هناك شيئاً أصعب من الإحصاء: الشعور بالانتماء.

يمكن للإنسان أن يتحدث السويدية بطلاقة، ويعمل ويدفع الضرائب، ويعرف النظام أفضل من كثيرين، ومع ذلك يشعر بأن عليه كل يوم أن يثبت أنه «واحد منا».

وهناك فرق نفسي كبير بين أن يقول المجتمع للشخص: أنت سويدي وعليك مسؤوليات.

وبين أن يسمع: إذا أثبتَّ نفسك بما يكفي، فقد نعتبرك يوماً سويدياً.

هذا الفرق لا يظهر في إحصاءات البطالة. لكنه يظهر لاحقاً في الثقة.

المجتمع الموازي لا يبنى فقط داخل المهاجر

علينا في الوقت نفسه ألا نقع في الخطأ المعاكس.

هناك قيم وسلوكيات جاءت مع بعض المهاجرين لا يمكن قبولها تحت عنوان التنوع الثقافي.

العنف باسم الشرف ليس ثقافة يجب حمايتها. السيطرة على حرية المرأة ليست تعددية.

والعشيرة لا تستطيع أن تحل محل القانون السويدي، ولا رجل الدين محل المحكمة، ولا الأسرة أن تقرر الحقوق الأساسية لأبنائها.

في هذه النقطة يجب أن تكون الدولة واضحة بلا تردد. لكن الوضوح ذاته يجب أن يعمل في الاتجاه الآخر.

إذا أردنا من شاب ولد في السويد أن يثق بالمجتمع، فعليه أيضاً أن يرى أن المجتمع يطبق القواعد نفسها عليه وعلى غيره.

أن يشعر أن اسمه لا يصبح عقبة عندما يبحث عن عمل. وأن عنوانه البريدي لا يتحول إلى حكم مسبق. وأن خطأ شخص يشاركه الأصل أو الدين لا يصبح مسؤولية جماعية عليه أن يعتذر عنها.

ربما نسأل السؤال الخطأ

عندما نتحدث عن الاندماج نسأل عادة: لماذا لم يندمج المهاجر؟

ربما حان الوقت لإضافة سؤال ثانٍ: ماذا فعلنا كي يشعر أبناؤه بأن هذا المجتمع مجتمعهم؟

ليس السؤالان متناقضين.

على المهاجر واجب تعلم اللغة، والعمل متى استطاع، واحترام القانون والمساواة وحقوق الفرد وقواعد الديمقراطية.

وفي المقابل، على المجتمع واجب أن يمنح من يفعل ذلك فرصة حقيقية للدخول، لا أن يبقيه إلى الأبد في غرفة انتظار الهوية.

لذلك أقترح أن نضيف إلى مؤشرات الاندماج التي نقيسها باستمرار مؤشراً آخر: الثقة والانتماء.

ليس فقط: كم مهاجراً حصل على وظيفة؟

بل: كم شاباً من أبناء المهاجرين يشعر بأن الشرطة مؤسسته، والمدرسة مدرسته، والبرلمان يمثله، وأن مستقبله في السويد لا يعتمد على اسم والده؟

فالإنسان الذي يشعر أن أبواب المجتمع مفتوحة أمامه تكون لديه أسباب أقوى للدفاع عنه.

أما حين تغلق الأبواب، فهناك دائماً من سيعرض عليه باباً آخر: جماعة، أو هوية مغلقة، أو تطرفاً، أو عصابة، أو عالماً رقمياً يقول له: «هنا أنت واحد منا».

الاندماج طريق باتجاهين

التقرير الحكومي الجديد يقترح عملاً طويل الأمد يشمل تحسين الاندماج والمساواة، وتعزيز العمل الوقائي مع الأطفال والشباب، وتقليل الفصل السكني، وتقوية المناطق التي تعاني من الإقصاء.

هذه بداية مهمة. لكن النجاح يتطلب تغييراً في طريقة التفكير نفسها.

يجب أن نتوقف عن تصور الاندماج باعتباره رحلة يسير فيها المهاجر وحده نحو المجتمع بينما يقف المجتمع ثابتاً في نهاية الطريق.

الطريق في الحقيقة يسير باتجاهين. على المهاجر أن يتحرك نحو السويد.

وعلى السويد أن تمنحه، عندما يصل، الإحساس بأنه وصل بالفعل.

لأن المجتمع الموازي لا يولد فقط عندما يرفض الإنسان المجتمع الكبير. أحياناً يبدأ في اليوم الذي يشعر فيه أن المجتمع الكبير لم يقبله بالكامل أصلاً.

فاروق الدباغ