المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: في رحلتها عبر الثقافات، تقف المرأة العربية في قلب معادلة شديدة الحساسية. تعيش في مجتمع لا يشبه المدى الذي جاءت منه، وتحاول أن تحفظ في وجدانها ملامح الشرق، وهي تسير بثبات وسط طرق الغرب. ليست غريبة، لكنها أيضاً لا تذوب، فهي تمشي على حبل مشدود بين هويتين، تسعى لتبني حياة جديدة دون أن تفقد صوتها القديم.

في المجتمعات الغربية، تُعرض عليها معانٍ مختلفة للحرية، تُمنح لها مساحات من الاستقلال قد تبدو جذابة، لكنها أحياناً تحمل في طيّاتها وحدةً باردة لا تشبه دفء الروح الذي نشأت عليه. لا تنفر من التغيير، لكنها تحذر من التحوّل الذي يُفرّغها من قيمها، وتُدرك أن الحداثة لا تعني التخلّي عن الأصل، بل اختبار ما يُضيف دون أن يُنتقص.

هي لا تبحث عن رفض الآخر، بل عن أن تختار ذاتها في حضرته. تختار بقلبٍ واعٍ ما يُشبهها، وتعيد تشكيل الجديد بما يتناسب مع نسيجها الداخلي. وهنا تلعب طاقتها الحيوية دور المرشد الخفي، فهي تعلم أن في داخلها أنوثة تحتضن وتمنح، وذكورة تنجز وتبني. حين تفهم كيف تُوازن بين هاتين القوتين، تدرك أنها ليست في حاجة لتُثبت نفسها بشروط لا تخصها، بل عليها فقط أن تعيش حقيقتها بجرأة ونعومة معاً.

النجاح لا يستلزم تخلّيها عن رقتها، والقوة لا تعني أن تطفئ ضوء قلبها. تفعّل طاقتها الذكورية حين تواجه متطلبات المهنة، وتفتح قلبها بطاقة أنوثتها حين تعود إلى البيت، إلى أطفالها، إلى من تُحب. وبين هذا وذاك، لا تمزقها الأدوار، بل تجعل منها جناحين تحلّق بهما وتحقق بهما التوازن بين شرقيتها والغرب الذي تنتمي إليه اليوم، وبذلك تتعرف اكثر على هويتها الجديدة بشكل واع وذكي.

هكذا تتحوّل علاقتها بالغرب من استسلام إلى وعي، ومن تبعية إلى شراكة. تستفيد، تتعلّم، تبني، لكنها لا تُفرّط في جذورها. بيتها يظلّ حضنها الأول، وشراكتها العاطفية تبقى موطنها، وإن تعددت العناوين من حولها. هي تعرف تماماً أن ما تحققه في الخارج لايُغني عن ما تحافظ عليه في الداخل.

المرأة العربية في المهجر ليست سجينة الفجوة بين الشرق والغرب، بل هي جسر ناعم وقوي بين ضفتين. تُنبت الزهور حيث تمر لأنها تعرف متى تُسقي، ومتى تُقاوم الريح، ومتى تفتح كفّها للضوء. تجربتها ليست تضادًا، بل تناغم، حين تختار أن تصنع هويتها من الوعي لا من الصدفة.

وإن سُئلت: ما سرّ قوتك؟

قولي: اخترت أن أكون أنا. لا خشيتُ التغيير، ولا أنكرته، بل روّضته ليشبهني. مشيت نحو النجاح، لكنني لم أنسَ أن أكون دافئة. في عتمة الاغتراب، أبقيتُ نور قلبي مضيئاً. وفي كل ما فعلته، لم أُقلّد، بل اختَرت. وما زلت أختار، كل يوم، أن أكون مرآة نفسي… لا ظلّا لأحد

نداء النور