المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: في زمنٍ يتسارع فيه الخطاب العنصري نحو صدارة المشهد السياسي في السويد، لا يملك المهاجر إلا أن يتوقف لحظةً ليسأل: من نحن، وما الذي نريد أن نكونه في هذا المجتمع؟
أعجبتني فكرة الإمام سعيد عزام الأخيرة، وأجد فيها نبضاً صادقاً رغم اختلافي معه في بعض النواحي. فالمعضلة التي نعيشها كمهاجرين ليست في التمثيل السياسي بحد ذاته، بل في تمثيل ذواتنا على حقيقتها، بعيدًا عن الأقنعة المؤقتة، والانتماءات السطحية، والشعارات التي لا تنبع من وجدان حقيقي بل من حاجة للتكيف أو التمويه.
نعيش اغتراباً مزدوجاً: من جهة، نغلف ذواتنا بعادات لا تعبّر عنا، وننخرط في خطابين متناقضين؛ واحد نردده في اللقاءات السويدية الرسمية، وآخر في جلساتنا الخاصة. ومن جهة أخرى، نسمح لجراحنا النفسية وهويتنا المأزومة أن تتحكم بسلوكنا في المجال العام، فنقع في فخ التناقض والتشويش.
الخلل ليس في غيابنا عن الساحة السياسية، بل في غياب المصالحة مع الذات. نطالب بحقوقنا كمهاجرين، لكننا لم نتفق بعد على رؤية موحدة تمثلنا. نتحدث عن التهميش، بينما نمزق صفوفنا من الداخل كلما اقتربنا من مشروع جماعي. نريد قيادة، لكننا نحارب كل من يتصدر. نرفع الشعارات، ثم نهدم مضامينها حين نركن للمصلحة الضيقة.
حين ننادي بمظاهرة ضد العنصرية، كيف نستجيب؟
تجد الآلاف يؤيدون عبر “الإعجاب” والرموز، لكن في الميدان، تغيب الأقدام وتتكاثر “اللافتات الفردية”. من كان حاضراً يريد الواجهة، من كان غائباً يتحدث كخبير، ومن حاول التنظيم يُتهم بالاستعراض أو الانحياز. نبدأ الحديث عن الحقوق، فننتهي في خطاب ديني أو لغوي يقسّم الناس بدل أن يوحدهم، فيخطف الصوت منا من يجيد الصراخ لا من يحسن البناء.
السويد تتغير، والحقيقة التي نخشى الاعتراف بها أن حزب SD لم يعد في الظل، بل يتحرك بأدوات القرار من خلف الستار. وإن صار غداً في الواجهة، فالمسؤولية ليست عليه وحده، بل على صمتنا، على تشرذمنا، على فشلنا في تقديم أنفسنا كجزء لا يتجزأ من نسيج هذا الوطن.
ما العمل إذن؟
نحن بحاجة إلى لوبي مهاجر ذكي، متعدد الهويات، موحَّد في الرؤية. لوبي لا يخوض معاركه بالشعارات، بل بالبيانات، بالتقارير، بالمبادرات، بالتحالفات الذكية. نحن لا نحتاج لمن يصرخ باسمنا، بل من يخطط معنا. لا نحتاج للعب دور الضحية، بل لتقديم أنفسنا كجزء من الحل، كأطباء، ومهندسين، وعمال، وفنانين، وأكاديميين. نحن نُدير هذه البلاد من خلف الكواليس، فلِمَ لا ندير خطابنا أيضاً من مقدمة المسرح؟
المصالحة الحقيقية تبدأ حين ننظر إلى مرآة هذا المجتمع، لا كغرباء نحاول التكيّف، بل كمواطنين نُسهم في تشكيله. حينها فقط، تصبح السياسة أداة للتأثير، لا مجرد ساحة للبكاء على الأطلال.
نحن لا نحتاج إلى مظاهرات، بل إلى نهوض داخلي يسبقها.
نحتاج إلى قيادة لا تخشى الضوء، وجمهور لا يخشى الالتزام.
نحتاج إلى أن نصدق أنفسنا أولًا، حتى يصدقنا المجتمع من حولنا.
السويد فعلاً… لا تقف بدوننا، لكن السؤال: هل نحن مستعدون أن نقف لأجلها… وأجل أنفسنا؟
فاروق الدباغ