المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس- رأي: تتجلى الخارطة السياسية لانتخابات 2026 كساحة صراع واستقطاب يُستغل فيها ملف الهجرة لتحقيق مكاسب انتخابية حاسمة. وتُشكل قضية الهجرة المحرك الأساسي والخلفية الأكثر سخونة وهي ليست مجرد ملف انتخابي عابر هذه المرة، لكنها مرآة حقيقية للانقسام المجتمعي والهيكلي الحاد بين نموذج (دولة الرفاه المتفتحة) السابقة ونموذج (الدولة القومية ذات الهوية المغلقة) الصاعدة.
كيف انتقلت السويد من سياسة الهجرة بوصفها امتداداً لدولة الرفاه إلى سياسة الهجرة بوصفها أداة لانتقاء رأس المال البشري وإدارة المخاطر؟
بالنسبة للمهاجر القادم من خارج أوروبا، لا تختزل الرحلة في (استحصال ورقة إقامة) لكن في السعي نحو منظومة إستقرار مادية متكاملة؛ تبدأ بالأمان القانوني وتصل إلى التكافؤ في الفرص للإبداع والانتماء المتبادل. ورغم التناقض المادي المتمثل في إحتياج المجتمع السويدي لاستدامة صناديق التقاعد وسد النقص الهيكلي في الكفاءات والعمالة، يتحول المهاجرون إلى الفئة الأكثر هشاشة وجدلاً في المواسم الانتخابية، محاصرين بين خطابات الحرمان السياسي وسياسات الإستبعاد المؤسسي.
تعيش السويد اليوم تناقضاً كبيراً وواقعاً مؤلماً يستنزف رأس المال البشري، حيث تُهدر كفاءات أصحاب الشهادات العليا (كالطب والهندسة والتعليم) القادمين من خارج الفضاء الأوروبي. يُدفع هؤلاء دفعاً، عبر التعقيدات البيروقراطية وتأخير معادلة الشهادات (Validering)، للعمل في مهن أدنى بكثير من مؤهلاتهم بأجور متدنية، أو يُحصرون في فخ الاعتماد الدائم على المساعدات الاجتماعية (Socialbidrag)، مما يفرغ خبراتهم من محتواها الإنتاجي.
كما تكشف الدراسات الاقتصادية وجود تمييز هيكلي غير معلن في سوق العمل السويدي، يتجاوز معايير الكفاءة واللغة إلى ما يُعرف بـ (العائق العرقي) والإعتماد على شبكات التوظيف المغلقة (Kontakter). وقد أدى العزل السكني والعرقي في ضواحي المدن الكبرى إلى حصر المهاجرين في شريحة (العمالة الرخيصة) محدودة القدرة التفاوضية داخل سوق العمل، مما يعيد إنتاج الطبقية ويُديم الفجوة الاجتماعية.
ولم يعد التضييق يقتصر على سوق العمل، وتحول إلى ترسانة من القوانين والتشريعات الصارمة التي نزعت شعور الاستقرار والاطمئنان النفسي والأمان لدى المهاجرين تحت وطأة الضغط البيروقراطي المتزايد بتشريع:
- قانون الإبلاغ (Informationsplikt / Angiverilagen): الذي تحول بموجبه موظفو الهيئات العامة (مثل هيئة الضرائب، التأمينات الاجتماعيات، ومكاتب العمل وغيرها) إلى أدوات رصد وأجهزة بلاغ أمني لإخطار الشرطة وهيئة الهجرة عن أي شخص يشتبه في عدم قانونية إقامته. هذا التشريع ينسف الثقة المفترضة بين الفرد ومؤسسات الدولة الخدمية، ويخلق حالة من القلق وتراجع الثقة بالمؤسسات.
- قانون (حسن السلوك): والذي يكمن الخطر في إعتماده على مصطلحات فضفاضة تتيح للمؤسسات رفض أو سحب تصاريح الإقامة بناءً على (سلوكيات غير مقبولة) غير مجرمة جنائياً (كتراكم الديون، التأخر الضريبي، أو الشبهات العامة). وإمكانية تطبيقه بأثر رجعي بما يحول الإقامات الدائمة إلى إقامات هشة ومؤقتة، وتجعل أصحابها في حالة توجس دائم من فقدان منجزات حياتهم التي بنوها لسنوات.
تختلف السويد في هذا الجانب عن بلدان اخرى في هذا العالم تعتمد فلسفة الجدارة الاستحقاقية في منح إقامات المهاجرين إليها، بينما تضع بعض الدول برامج صريحة للمكافأة (مثل (الإقامات الذهبية) ، (تأشيرات المواهب)، أو (الإعفاءات الضريبية للابتكار)، وتجعل الإنضباط والتمّيز سبباً مستقلاً للتكريم المادي والمعنوي، ورغم ان بعض الحوافز الإيجابية للمهارات موجودة فعلا، لكنها محدودة وتتعايش مع توسع سريع في البنية العقابية والشرطية لقوانين الإقامة مع تفضيل لنموذج عقابي أحادي الاتجاه؛ تُضاعف العقوبات عند الخطأ، وتعتبر الصواب مجرد واجب مفروض لا يستحق حتى تسهيل المعاملة. وفي انتخابات 2026 تفعلت بورصة الأحزاب بشدة لاستغلال هذه الملفات على النحو التالي:
- كتلة اليمين (M, KD, SD): التي يقود فيها حزب ديمقراطيو السويد (SD) القوة الأيديولوجية والسياسية الدافعة نحو مزيد من القوانين التقييدية. يختزل الحزب مشاكل السويد الخدمية والأمنية فيما يسميه (نتائج قوانين التجنيس المتساهلة للسنوات السابقة). ورغم محاولته الالتفافية لفصل إستقطاب العمالة الماهرة شكلياً عن باقي ملفات الهجرة، إلا أن توجهاته تظل قائمة على خفض أعداد القادمين وتشديد شروط المواطنة.
- حزب الوسط (C) وحزب الليبراليين(L): تتماشى هذه الأحزاب مع سياسات الحكومة في تشديد الضوابط، لكن الحزب الليبرالي (L) يطرح تسوية عبر (نظام الهجرة القائم على النقاط). هذا النظام يثير جدلاً واسعاً كونه يفرز المهاجرين طبقتين بناءً على المردود المالي الفوري، ويتجاهل الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للاندماج.
- كتلة المعارضة (S, V, MP): فبينما يطالب حزب اليسار (V) وحزب البيئة (MP) بإعادة نظر جذرية في سياسات التضييق، ينفرد حزب البيئة بالمطالبة بفتح أبواب اللجوء بناءً على المعايير الإنسانية. في المقابل، يمارس حزب الاشتراكيين الديمقراطيين (S) ازدواجية سياسية؛ فهو يتعهد أمام الناخب السويدي بتبني سياسة هجرة صارمة ومحكمة لمنع خسارة القاعدة الشعبية لصالح اليمين، بينما يستهدف في الوقت ذاته أصوات المهاجرين عبر حملات وإعلانات موجهة بلغات متعددة (كالعربية) تعد بتحسين الخدمات العامة ومكافحة التمييز.
إن معضلة الهجرة في السويد لن تُحل عبر الترسانات التشريعية العقابية أو إستغلال الورقة الانتخابية؛ فالواقع المادي يثبت أن إستمرار البيروقراطية والتقوقع العرقي سيعود بالنفع السلبي على الإقتصاد السويدي نفسه عبر ظاهرة (إهدار العقول) وتسارع الهجرة العكسية للخبرات نحو أسواق أكثر مرونة.
إن الخروج من هذا الفخ يتطلب الانتقال من عقلية (الاستيعاب القسري والتهميش الهيكلي) إلى تبني رؤية واقعية تعترف بالحاجة المادية والإنتاجية للمهاجر، وتفكك حواجز البيروقراطية والتمييز المؤسسي، لتتحول السويد إلى وطن حقيقي للإنتاجية، الاستقرار، والعيش المشترك.
د. سوسن الدوري