المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: في اللحظات المفصلية من تاريخ الدول، يتغير معنى الإعمار جذرياً، فلا يعود ترميماً لما تهدّم، بل إعادة تعريف لما يجب أن يكون. في الحالة السورية، لم يعد السؤال كيف نعيد الطرق والجدران؟ بل كيف نعيد إنتاج الإنسان القادر على بناء هذه الطرق، والمؤسسة القادرة على حمايتها وتطويرها؟ فالدول لا تنهض بما تُشيّده من إسمنت، بل بما تملكه من عقول قادرة على تحويل هذا الإسمنت إلى قيمة.
المشكلة أن الخطاب السائد حول إعادة إعمار سوريا ما يزال أسيراً لفكرة البنية التحتية، وكأن الأزمة كانت في الحجر لا في المنظومة التي أدارت هذا الحجر. هنا تحديداً تظهر الفجوة، يمكن بناء مدن كاملة خلال سنوات، لكن لا يمكن بناء منظومة إنتاجية دون استعادة الإنسان المؤهل لإدارتها. وهذا ما يجعل الموارد البشرية، لا الموارد المادية، هي الثروة الحقيقية في المرحلة القادمة.
شتات مهني
في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى الجاليات السورية في أوروبا كقضية هجرة أو تحويلات مالية فقط. هذه الجاليات تمثل اليوم أكبر مخزون من الخبرة الحديثة التي يمتلكها السوريون. آلاف الكفاءات عملت داخل أنظمة متقدمة، وتعلمت كيف تُدار المؤسسات، وكيف تُبنى الأسواق، وكيف تُقاس الإنتاجية. تجاهل هذا المورد أو التعامل معه بشكل هامشي ليس فقط خطأً، بل إهدار مباشر لفرصة تاريخية.
لكن المشكلة الأعمق ليست في غياب الكفاءات، بل في غياب الآلية التي تستوعبها. فحتى اليوم، لا توجد رؤية مؤسسية واضحة لتحويل هذا “الشتات المهني” إلى قوة اقتصادية منظمة. وهنا تحديداً يجب أن يتغير دور الدولة، بدءاً من وزارة العمل، التي لم يعد مقبولاً أن تبقى ضمن دورها التقليدي كجهة تسجيل وتنظيم شكلي لسوق العمل. المطلوب هو إعادة تعريفها كعقل مركزي لإدارة رأس المال البشري السوري، داخل البلاد وخارجها.
وزارة العمل يجب أن تعرف من يملك ماذا، من هم المهندسون، من هم المبرمجون، من هم الأطباء، أين يعملون، وما الذي يمكن أن يقدموه. ليس بهدف إعادتهم جميعاً، بل لربطهم بمنظومة إنتاجية تحتاجهم. فالعالم اليوم لا يعمل بمنطق العودة الجغرافية، بل بمنطق المشاركة الذكية، والعمل العابر للحدود. ومن لا يفهم هذه المعادلة سيبقى خارج الاقتصاد الحديث.
دور حاسم
وبالتوازي، لا يقل دور وزارة الخارجية والمغتربين أهمية، بل ربما يكون الحاسم في إعادة بناء الثقة. فالسفارات السورية يمكن أن تتحول من مؤسسات إدارية تقليدية إلى منصات استراتيجية تربط السوريين في الخارج بوطنهم اقتصادياً ومهنياً. السؤال لم يعد كيف نخدم المغترب، بل كيف نحوله إلى شريك فعلي في إعادة البناء.
إن أي حديث عن إعادة الإعمار دون هذا التكامل بين وزارة العمل ووزارة الخارجية والمغتربين سيبقى ناقصاً. الأولى تدير الموارد البشرية، والثانية تدير العلاقة مع هذه الموارد خارج الحدود. وبينهما تتشكل المعادلة الحقيقية، دولة تعرف قدراتها، وتعرف أين توجد، وتعرف كيف تستخدمها.
الحقيقة التي يجب قولها بوضوح هي أنه لا يمكن إعادة بناء سوريا بالعقلية نفسها التي ساهمت في إضعافها. إعادة الإعمار ليست مشروع مقاولات، بل مشروع إعادة تأسيس. ومن لا يضع الإنسان في مركز هذه العملية، سيعيد إنتاج الفشل نفسه بشكل أكثر كلفة. سوريا اليوم أمام لحظة حاسمة. لديها ملايين من أبنائها الذين اكتسبوا خبرة العالم، ولديها حاجة داخلية هائلة لإعادة البناء. الربط بين هذين الطرفين ليس خياراً، بل ضرورة. فالدول التي تفشل في استعادة عقولها، لا تخسر ماضيها فقط… بل تخسر مستقبلها أيضاً.
كاوا العيسى