صوت واحد في البرلمان أجّل حصول 100 ألف شخص على الجنسية السويدية وأخضعهم لشروط مشددة، وربما يحرم كثيرين منهم. بعيداً عن لعبة SD في انتهاك تقاليد التصويت الراسخة في البرلمان، فإن ما جرى يفترض أن يحفر عميقاً في وجدان المهاجرين وذاكرتهم.

تجاهلت الحكومة الانتقادات الحادة لمجلس القانون، واقتراحات التحقيق الذي عنيته هي نفسها، وتحذيرات الخبراء من مغبة ضرب ثقة الناس بالقوانين وبالنظام. مضت بقانون الجنسية دون قواعد انتقالية.

عشرات الآلاف قدموا طلبات الجنسية بناء على القانون القديم وكانوا ينتظرون الحصول عليها. غير أن القانون يمكن تغييره بسهولة ما دامت الحكومة تملك الأغلبية اللازمة لو بفارق صوت واحد.

وزير الهجرة يوهان فورشيل برر تجاهل كل التحذيرات بـ”الخطر الأمني”. استثناء عشرات الآلاف من الشروط المشددة يشكل “خطراً على السويد”، هكذا قال الوزير، مضيفاً “نحتاج إلى مزيد من الوقت لفحص الأشخاص الخطرين الذين يجب ألا يقتربوا من الجنسية السويدية”.

مئات الآلاف حصلوا على الجنسية السويدية من قبل ولم يشكلوا خطراً على أمن السويد، ويمكن لجهاز الأمن (سابو) أن يوصي مصلحة الهجرة دائماً برفض منح الجنسية لأي كان لأسباب أمنية.

وتظهر الأرقام أن سابو أوصى في العام 2023 برفض منح الجنسيةلـ756 حالة في 2023، و566 حالة في 2024.

حجة الخطر الأمني التي استخدمتها الحكومة لا تعمل كثيراً. في حين أن هناك حجة سياسية قد تكون أقوى وأشد تأثيراً.

زيادة عدد الحاصلين على الجنسية يصب في مصلحة كتلة اليسار، حسب نسب تصويت المولودين في الخارج عادة.

كتاب تحليلي أعدته جامعة يوتيبوري يظهر أن 58 بالمئة من الأشخاص الذين نشؤوا خارج السويد وأبنائهم صوتوا في انتخابات 2022 لصالح كتلة المعارضة مقابل 39 بالمئة لأحزاب اليمين الحاكمة، و3 بالمئة للأحزاب الأخرى. في حين صوت 16 بالمئة من المهاجرين المولودين في الخارج (الجيل الأول) لحزب SD.

والفارق يزداد بين الكتلتين عند الحديث عن المولودين خارج أوروبا أو أبنائهم، فهؤلاء صوتوا لليسار بنسبة 68 بالمئة ولليمين بنسبة 29 بالمئة. و3 بالمئة للأحزاب الأخرى.

في الانتخابات الماضية صوّت 67 بالمئة من المولودين في الخارج الذين يحق لهم التصويت. في حين بلغت نسبة التصويت العامة 84.2 بالمئة من مجموع الناخبين في السويد. وبالنظر إلى التحشيد الذي خلقته 4 سنوات من حكم اليمين، يُتوقع أن تزداد نسب مشاركة المولودين في الخارج في الانتخابات المقبلة، ما قد يولّد تأثيراً أكبر على نتيجة الانتخابات وشكل الحكم.

إنها أرقام تقول أكثر ربما مما يود الوزير كشفه عن تأثير تزايد الحاصلين على الجنسية على نتائج الانتخابات البرلمانية. وربما عن دوافع أحزاب اليمين في تجاهل جبل الانتقادات التي وصلت إلى حد هز الثقة بنظام السويد وقوانينها.

اقتراح المعارضة فرض قواعد انتقالية على قانون الجنسية الجديد يستثني المتقدمين بطلبات الجنسبة قبل 6 يونيو 2026 (رغم موافقة الاشتراكيين الديمقراطيين والوسط على الشروط الجديدة) كاد يمر في البرلمان. 146 نائباً وافقوا على الاقتراح، بينهم نائبان مستقلان عن SD، مقابل رفض 145 نائباً. لجأ SD إلى الخديعة وزج بأصوات مستبعدة وفق نظام الامتناع المتبادل عن التصويت (kvittning) وقلب نتيجة التصويت لصالح رفض الاقتراح، ليضع 100 ألف شخص تحت الشروط الجديدة.

ليس كأي مقعد

أمام حالة التعادل السياسي السائدة في السويد في السنوات الأخيرة، وانشقاقات بعض النواب عن أحزابهم، يصبح للمقعد البرلماني أهمية مضاعفة. نتذكر كيف فرضت المنشقّة عن اليسار أمينة كاكابافه شروطاً على حكومة مجدلينا أندرشون مقابل التصويت لصالح اقتراحاتها باعتبارها الصوت المرجح.

في انتخابات 2022 فازت كتلة اليمين بفارق 50 ألف صوت وفق الحسابات الرياضية لتحصد 176 مقعداً، بفارق مقعد واحد عن الأغلبية المطلوبة البالغة 175 مقعداً في حين حصلت أحزاب المعارضة الأربعة على 173 مقعداً. كان الفارق 3 مقاعد، وبالنظر إلى فارق عدد الأصوات وبحسبة بسيطة فإن المقعد يساوي حوالي 16 ألف صوت.

في النهاية 16 ألف صوت كانت حاسمة ليدخل 100 ألف شخص تحت عبء الشروط الجديدة. فهل هناك من ما زال يشكك في أهمية الصوت الانتخابي في بلد كالسويد؟

إنها أحد عيوب الانتخابات في نظام الديمقراطية التمثيلية، ولكن إلى حين أن يفكر البشر في “إعادة إنتاج الديمقراطية” كما يدعو البلجيكي ديفيد فان رايبروك في كتابه “ضد الانتخابات”، فإن الأصوات ستبقى الطريقة التي تحدد شكل الحكم. ونحن هنا أمام خيارين: أحزاب نتفق أو نختلف معها ضمن أطر الحراك السياسي المعتاد، وأحزاب تسلّم الزمام لمن يحرض المجتمع على المهاجرين كل يوم.

صارت كلمة “مصيرية” ممجوجة لكثرة ما استخدمناها في الدول العربية المنكوبة بكل أنواع النكبات، غير أن الانتخابات المقبلة في السويد أشبه باستفتاء على شكل البلاد وقيمها بعد الاتفاق التاريخي على إدخال اليمين الشعبوي إلى السلطة، فهل يعي المستخفون بالانتخابات أو الذين يتعاملون مع صراعها بمنطق الترند أي حمق يرتكبون؟

مهند أبو زيتون