صورة للرئيس عبد ربه منصور هادي مرفوعة في محافظة شبوة 
Foto: Lina Malers / TT
صورة للرئيس عبد ربه منصور هادي مرفوعة في محافظة شبوة Foto: Lina Malers / TT
2021-10-01

ما سر التحول والتقدم الكبير للحوثيين على الأرض؟

بعد إعلان مكتب المتحدث باسم الأمم المتحدة بداية شهر أغسطس، أن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عيّن الدبلوماسي السويدي هانس غروندبيري مبعوثاً خاصاً له إلى اليمن، ازداد الاهتمام السويدي بموضوع اليمن، وبوضع حد للحرب المستمرة منذ أعوام، مقابل تطورات مهمة على الأرض.

ميدانياً حقق الحوثيون المدعومون من إيران، تقدماً عسكرياً ميدانياً استراتيجياً خلال الأسبوع الماضي وسيطروا بسهولة على ريف محافظة شبوة في جنوب اليمن، حيث حقول النفط التي تشغلها شركات أمريكية، في أواخر أيول/سبتمبر، الأمر الذي أثار مخاوف محلية وإقليمية من قدرة الحوثيين على العودة إلى مدن الجنوب التي كانوا قد خسروها في منتصف العام 2015، إثر عمليات عسكرية وغارات لطيران التحالف العربي الذي تقوده السعودية.

يشهد اليمن المضطرب منذ عقود، حرباً مدمرة تسببت بمعاناة كبيرة للسكان الذين يعيش أكثر من 70 بالمئة منهم تحت خط الفقر بفعل الحرب التي تسعى الأمم المتحدة إلى وضع نهاية لها، لكن دون جدوى بفعل بحث الأطراف المحلية الفاعلة في تلك الحرب عن مزيد من المكاسب.

تدعم المملكة العربية السعودية الرئيس اليمني المؤقت عبدربه منصور هادي، الذي كان يفترض أن ينقل السلطة الى رئيس منتخب في العام 2014، لولا الاجتياح الحوثي لصنعاء وإعلان الانقلاب عليه رغم توقيعه اتفاقية شراكة رفضها الحوثيون بعد أن وقعوا عليها.

وأطلقت السعودية بالشراكة مع عشر دول أبرزها الإمارات ومصر والبحرين والسودان، تحالفاً عربياً لمحاربة التمدد الإيراني في اليمن، وحقق التحالف تقدماً ملموساً عندما أجبر الحوثيين على التراجع عن محافظات الجنوب وأكثر من ثلثي البلاد وألحق بهم هزائم كبيرة، كادت أن تنهي سيطرتهم على البلاد حينما وصلت القوات الحكومية إلى مشارف العاصمة صنعاء.

غير أن سيطرة حزب الإصلاح (ذراع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في اليمن) على السلطة الشرعية وتجنيد أتباعه في الجيش الحكومي وإسناد قيادة ألوية هذا الجيش لقيادات في تنظيم الإخوان المسلمين معظمهم مدنيون تسبب بانتكاسات متلاحقة ومكن الحوثيين من تحقيق انتصارات كبيرة بعد تحولهم من الدفاع إلى الهجوم.

منذ نحو عامين عمل حزب الإصلاح على إعادة ترتيب أولوياته – كما يقول مراقبون – فسحب القوات الموالية له من محافظات كثيرة بما فيها مديريات في العاصمة صنعاء مثل نهم وبني حشيش في الريف الشرقي لصنعاء ووجه تلك القوات باتجاه الجنوب وشن حرباً جديدة على المجلس الانتقالي الجنوبي في آب/أغسطس 2019، وهو ما تسبب بخلق مزيد من الانقسامات  

  كان من الطبيعي أن يستغل الحوثيون تلك التحولات، ما دفع بهم إلى التحول من الاستراتيجية الدفاعية إلى الهجومية، الأمر الذي يثير جملة التساؤلات حول ما الذي يحصل وإلى أين تمضي الأمور.

كان الحوثيون يتمركزون في مدينة البيضاء (وسط اليمن)، قبل أن يقرروا شن عملية هجوم واسعة وصلوا على إثرها شبوة باتجاه الشرق وسيطروا على ثلاث مديريات استراتيجية في شبوة واثنتين في مأرب التي تعد مدينتها المحاصرة حالياً المعقل الوحيد المتبقي للحكومة المعترف بها دولياً.

المناطق التي سقطت بيد الحوثيين مؤخراً تكتسب أهمية استراتيجية من نواح عدة، فهي غنية بالثروات النفطية وفيها شركات أمريكية عاملة. قال الحوثيون إنهم لم يستغرقوا وقتاً طويلاً في الوصول إلى شبوة، مستعرضين كميات كبيرة من الأسلحة التي استولوا عليها عقب انسحاب القوات التابعة للحكومة اليمنية بشكل أثار كثيراً من الجلبة والاستغراب، كما أثار أحاديث عن تفاهمات جديدة بين الحوثيين من جهة وحزب الإصلاح من جهة ثانية.

استحواذ الحوثيين على مكاسب ميدانية وحقول النفط، شرقي البلاد بات أقرب لهم من أي وقت مضى ما سيرفع سقف أوراقهم السياسية في ملف التفاوض الذي ترعاه الأمم المتحدة، في حين تقول سلطنة عمان (الوسيط الإقليمي) إن نهاية الحرب في اليمن باتت وشيكة، رغم أن المكاسب على الأرض تصب في صالح إيران وأذرعها المحلية في صنعاء، لكن مع ذلك هناك إجماع دولي على أهمية وضع نهاية للحرب التي ألقت بظلالها على حياة المواطنين الذين باتوا يخشون شبح الموت القادم.

ورغم محاولات التحالف الذي تقوده السعودية لإنقاذ الوضع العسكري في الجبهات التي تقودها القوات الحكومية من خلال الضربات الجوية والدعم العسكري فإن تلك المناطق تتساقط كأحجار الدومينو تباعاً وبدون قتال في أحيان كثيرة، ما أثار تساؤلات منطقية عن مدى امتلاك التحالف حلفاء حقيقيين في مناطق سيطرة الحكومة.

 لا يستبعد كثيرون أن تكون هناك تسويات سياسية محلية في اليمن بين الحوثيين وتنظيم الإخوان ممثلاً بحزب التجمع اليمني للإصلاح، فالتقارير الصحافية المحلية تتحدث عن اتفاقية بين جماعتي إخوان اليمن والحوثيين خلال لقاءات مستمرة في بلدة مرخة بشبوة التي تربط بين المحافظة ومحافظة البيضاء بعد السيطرة على بيحان، والهدف من تلك التسوية “وقف القتال”، والاحتكام إلى هدنة مفتوحة، تسمح للطرفين بالتوجه لكسر القوات الجنوبية وذراعها السياسي المجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بالانفصال.

 لكن مع ذلك ذهب الحوثيون نحو مدينة مأرب الاستراتيجية والتاريخية إلى الشمال الشرقي من العاصمة صنعاء حيث يعتزمون السيطرة عليها، ليكون التفاوض مستقبلاً على منابع النفط التي يرغب الحوثيون في الحصول على شراكة “النصف” فيها مع الحكومة اليمنية.

الخلاف داخل معسكر “الشرعية”

يقول وزير الخارجية اليمني أحمد عوض بن مبارك إن “إيران طلبت من الحوثيين، تأجيل أي مشاورات للسلام إلى ما بعد السيطرة على مأرب”؛ الأمر الذي يؤكد أن طهران تريد التفاوض على منابع النفط في حضرموت وشبوة والموانئ البرية والبحرية في المهرة الحدودية مع سلطنة عمان.

لم تكن السيطرة الحوثية على جزء من شبوة، دليل على قوة وقدرة الحوثيين على السيطرة وتحقيق المكاسب الميدانية، لكنهم استغلوا الخلافات داخل معسكر “الشرعية اليمنية”، بين فصيلين الأول يدين بالولاء لهادي (الرئيس المؤقت)، والأخر للنائب “علي محسن الأحمر”، والأخير تتهمه الولايات المتحدة بأنه على علاقة وثيقة بتنظيم القاعدة في جزيرة العرب.

ويكمن الخلاف في أن النائب يريد أن يكون رئيساً توافقياً خلفاً لهادي، فهو حليف السعودية ورجل الحكومة الشرعية وقائد الجيش، ناهيك عن أنه يرتبط بعلاقة وثيقة بالزيدية السياسية في صنعاء، التي ينحدر منها الحوثيون، كما أنه يمتلك قوات عسكرية ضخمة في حضرموت والمهرة، لم تشترك في القتال حتى الآن ولم تفكك بالحرب كما تفككت الجيوش اليمنية في العام 2015.

هذا الخلاف جعل من الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً “هشة وضعيفة”، حتى في أي طاولة مفاوضات قادمة ما يتطلب من هادي أن يعيد خلق تحالفات مع المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يسيطر على مدن ومحافظات الجنوب، وهو مكون يحظى بشعبية واسعة بين أوساط الجنوبيين ويعد الوريث الحالي لكل فصائل الحراك الجنوبي التي نشطت منذ نحو عقدين للمطالبة بانفصال اليمن الجنوبي عن اليمن الشمالي مرة أخرى.

وهذا المجلس يجد نفسه اليوم في مواجهة تيارات الإخوان والحوثيين والقوى الأخرى التي ترى أن عزل هادي أولوية على هزيمة الانقلاب الحوثي.

وتكشف معركة شبوة والسقوط التراجيدي عن أن الحرب الحقيقية والصراع المرير لم يبدأ بعد في “شبوة وحضرموت”، وهو ما يعني أن حرباً جديدة يجري تحضيرها ستكون ساحتها شبوة وحضرموت، وهي الحرب التي قد تعطل المصالح الغربية تماماً حيث الشركات العاملة في حقول النفط، ويضاعف من معاناة السكان جراء الأزمات الاقتصادية والمعيشية المتدهورة.

صلاح الأغبر 

Related Posts