المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: في ظلّ المجزرة المستمرة في غزة، نجح اليمين السويدي، مدعوماً بمنظومات إعلامية وسياسية، في تنفيذ ضربة بارعة: تحويل أي محاولة لانتقاد تصرفات إسرائيل إلى اختبار أيديولوجي معقد. هذا النجاح تحقق إلى حد كبير أيضاً على مستوى اليمين في أوروبا واليمين العالم، فكلّ من يريد الحديث عن الضحايا المدنيين، أو العقاب الجماعي، أو جرائم ضدّ الإنسانية، يُواجَه أولًا بشرطين: أدِن حماس – وأثبت أنك لست معادياً للسامية.
هذه الشروط لم تعد مجرد إملاءات أخلاقية عابرة، بل تحولت إلى حواجز سياسية محكمة. صارت بمثابة طقوس اجتياز إلزامية لا بدّ منها قبل السماح بأي نقد “مقبول” لإسرائيل. ومع الوقت، أصبح التركيز منصبّاً ليس على الحقائق أو المآسي الإنسانية، بل على تطهير الذات من الشبهات الأيديولوجية، وكأن النية أهم من الفعل.
بهذه الطريقة تفكّك النقاش العام. لم يعد ممكناً أن نتحدث عن غزة إلا ضمن قوالب محددة سلفاً. فالضحية لم تعد ضحية بمجرد موتها، بل تخضع أولًا لفحص أخلاقي معقّد: هل كان ينتقد حماس بما فيه الكفاية؟ هل استعمل المصطلحات “الصحيحة” حين تحدّث عن إسرائيل؟ وهكذا، يُقتل معنى التضامن الإنساني في جوهره.
بعض الإعلام السويدي مثال حي على هذا الانهيار. كان يُفترض بالإعلام أن يكون سلطة رابعة، تكشف وتحقق وتحاسب. لكنه بدلًا من ذلك، انساق خلف وهم “الحياد”، متعاملاً مع الإبادة الجماعية وكأنها “نزاع بين طرفين”. نشهد كل يوم تقارير حذرة، وألفاظ مشوّشة، وإصراراً على منح مساحة لـ “الرواية الإسرائيلية”، حتى حين تكون الوقائع صارخة لا تقبل التأويل.
لكن الأخطر من ذلك، أن هذا الكمين الأيديولوجي بدأ يضرب الأحزاب والقوى اليسارية نفسها. لم يعد مطلوباً فقط أن تتفادى النقد المباشر، بل أن تتخلى عن كل من يجرؤ على كسر هذا الصمت.
اليسار يتخلى عن أبنائه
ففي السويد، شاهدنا كيف تخلّى تحالف أحزاب اليسار بشكل غير لائق عن نوابه ونشطائه الذين عبّروا عن تضامن صريح مع الفلسطينيين.
جمال الحاج، النائب المعروف بدعمه لحقوق الإنسان، وُضع تحت ضغط إعلامي رهيب لأنه شارك في فعالية داعمة لفلسطين، رغم عدم وجود أي تصريح معادٍ للسامية صادر عنه.
لورينا، النائبة الشجاعة التي طالما دافعت عن القضايا الاجتماعية والإنسانية، وجدت نفسها معزولة سياسياً.
كريستوفر لوندبيري، المعروف بمواقفه التقدمية، أصبح هو الآخر هدفاً لحملات تشويه وإقصاء. وكأن مجرد الدفاع عن الضحايا جريمة سياسية لا تغتفر.
هؤلاء لم يخسروا مناصبهم لأنهم أخطؤوا، بل لأن اليسار خاف أن يبدو “مشبوهاً” في نظر خصومه. وهكذا أثبتت أحزاب اليسار، دون أن تدري، أن اليمين نجح في فرض معاييره عليها، فأصبحت تقاتل أبناءها قبل خصومها.
هكذا انتصر اليمين، لا عبر كسب الحجج ولا عبر تبرئة إسرائيل من جرائمها، بل عبر تغيير قواعد اللعبة بالكامل: مناقشة النوايا بدل الوقائع، اختبار الولاءات بدل التحقيق في المجازر، محاكمة الخطاب بدل محاكمة الفعل.
وفيما يتشتّت العالم في متاهات أيديولوجية لا نهاية لها، تستمر واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في عصرنا، تحت وطأة صمت عالمي خانق، تحرسه معايير زائفة للشرعية الأخلاقية.
علاء العوّاد