المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: مع فتح أبواب الاقتراع المبكر واقتراب الحسم في الثالث عشر من سبتمبر 2026، وأمام التخوفات الديموغرافية وخيارات المستقبل، تعيش السويد جولة انتخابية تشريعية هي الأعمق أثراً في تاريخها الحديث.
ولم يعد المشهد الحالي، المُتخم بالاستقطاب، مجرد تنافس تقليدي على السلطة فوق رقعة شطرنج سياسية بين تكتل “تيدو” الحاكم والمعارضة بقيادة الاشتراكيين الديمقراطيين؛ بل هو مخاض سياسي يُعيد رسم ملامح “نموذج العدالة والرفاه السويدي” لأجيال قادمة.
وخلف كواليس هذا المشهد، تقف البلاد أمام مرآة تحولات مجتمعية واقتصادية كبرى بدأت تطفو على السطح بشكل غير مسبوق، لتضع الناخبين، على تنوع أصولهم، أمام خيارات سياسية تحدد ملامح الهوية والتوجه العام للبلاد في السنوات المقبلة.
وحين نتأمل الميدان السياسي اليوم، تتجلى في الأيام الأخيرة ظاهرة إعادة التموضع وقفز البعض من سفن الأحزاب التقليدية؛ حيث وجد متطلعون، نسقوا بالأمس القريب خلف الكواليس وبعيداً عن الأضواء، أنفسهم في ذيل القوائم الانتخابية، خارج ضمانة الوصول، مما دفع بعضهم إلى الانشقاق وتأسيس منصات وليدة، أو العبور نحو معسكرات خصوم من التيار نفسه أو إلى تيار أيديولوجي معاكس.
هذا التخبط المحموم والتشرذم الحزبي أحدثا صدمة وتراجعاً في الثقة لدى “الناخب البسيط”، وخاصة في أوساط ذوي الأصول المهاجرة، الذين يرون أن بعض المبادئ والشعارات باتت تُقايَض أحياناً بالمكاسب الانتخابية المباشرة، مما يفرز مزاجاً عاماً يتأرجح بين الإحباط والعزوف عن صناديق الاقتراع، أو الاندفاع نحو خيار التصويت العقابي غير المحسوب العواقب؛ ليتساءل لسان حال الشارع: كيف يمكن حماية المكتسبات الإنسانية والعدالة الاجتماعية وسط هذه التحولات المتسارعة؟
ولم يأتِ هذا التحول من فراغ؛ إذ نجح تيار اليمين، حتى الآن، في سحب السويد نحو خطابه الخاص بالهجرة والنظام وضبط المجتمع حسب أمانيه المُعلنة، وهو ما يفسر التغير الجذري في خطاب الحزب الاشتراكي الديمقراطي التاريخي بقيادة “ماجدلينا أندرشون”؛ إذ يتبنى علناً تشريعات متشددة وسياسات اندماج صارمة، في محاولة لاستعادة شريحة من الناخبين المحافظين واليمينيين ولسحب البساط من تحت “تكتل تيدو” الحاكم. هذا التحول، وإن رآه الحزب تكتيكاً انتخابياً ضرورياً للعودة إلى السلطة، فإنه ترك خيبة أمل واسعة النطاق لدى قواعده التقليدية من أبناء المهاجرين والشرائح اليسارية، الذين يواجهون اليوم نوعاً من القلق السياسي بعد رؤية تيار الرفاه الاشتراكي التاريخي وهو يغير أدواته التقليدية لصالح حسابات انتخابية آنية ضيقة.
وفي غرف العمليات لكتلة “تيدو” الحاكمة، يواجه رئيس الوزراء “أولف كريسترسون” تحدياً حسابياً معقداً يتمثل في ترنح “حزب الليبراليين”؛ حيث تشير أحدث استطلاعات الرأي إلى بقائه عند نسبة حرجة، وهي مسافة قد تُبعده عن عتبة الحسم البرلمانية البالغة 4 بالمئة. وسقوط الليبراليين يعني، رياضياً، ضياع مئات الآلاف من أصوات اليمين والانهيار التلقائي للتحالف الحاكم، وكذلك التشاكس العلني للاشتراكيين مع اليسار، مما يفتح الباب أمام احتمالية العودة الضعيفة للمعارضة اليسارية. ومن هنا، قد تشهد كواليس التحالفات السياسية، على تنوع مشاربها، تكتيكات مكثفة كـ”إعارة الأصوات” من الأحزاب الكبرى لإنقاذ الشركاء المتأرجحين على حافة الهاوية، ولضبط رمانة الميزان القلقة وفق توجهات أصحابها.
وبالتوازي مع معضلة الهوية، تعيش السويد حالة انفصام بنيوي حاد بين الحتمية الاقتصادية والارتداد السياسي؛ فلغة الأرقام تؤكد تراجعاً تاريخياً حاداً في معدلات نمو السكان وتزايد الشيخوخة، في وقت يعاني فيه أصحاب العمل من عجز حاد في الأيدي العاملة يبلغ عشرات الآلاف عبر قطاعات حيوية كالرعاية الصحية والخدمات والتقنيات التكنولوجية. هذه المعطيات تؤكد أن استمرار نظام الرعاية الاجتماعية والتقاعد يعتمد كلياً على ضخ دماء جديدة في أسواق العمل، بينما تندفع الحكومة، في المقابل، نحو تشديد قوانين الهجرة ولم الشمل عبر شروط سكن وإعالة تعجيزية. هذا التناقض يجسد بوضوح معضلة التضحية بالاستقرار الاقتصادي والمجتمعي المستقبلي تلبيةً لقلق الهوية في الشارع السويدي لدى البعض، في وقت يواجه فيه المواطن، بشكل عام، تحديات يومية ملموسة تمس أسعار الفائدة وتراجع جودة الخدمات الصحية وأزمات التعليم.
ومع استمرار تدفق المواطنين بشكل ملحوظ على مراكز الاقتراع المبكر، تحبس البلاد أنفاسها؛ حيث لم تعد المنافسة بين الكتل فحسب، بل تحولت إلى صراع داخلي محموم بين مرشحي الحزب الواحد عبر “الصوت التفضيلي”، حيث يبرز اللعب على الأوتار الفئوية لضمان مقاعد شخصية، مما يهدد بتفتيت الأصوات وتشتيت قوتها حتى داخل التيار الواحد.
وهنا يقف الناخب أمام معضلة حقيقية تفرضها لغة الحسابات: هل يصوت عاطفياً لحزب بسيط أو ناشئ يمثله أيديولوجياً بالكامل، أم يصوت تكتيكياً لحزب كبير تفادياً لضياع صوته تحت عتبة الحسم، أم يحاول الجمع بينهما عبر تكتيكات “إعارة الأصوات” لإنقاذ الكيانات البسيطة والوليدة المهددة، أو عبر استخدام “الصوت التفضيلي” لتقديم مرشح يعبر عن نبضه من داخل القوائم مضمونة الوصول؟
إن السويد في سبتمبر 2026 لا تختار مجرد حكومة لأربع سنوات، بل تختار مسار مجتمعها لأجيال كاملة. الخيار اليوم يتأرجح بين مسارين: إما الاستمرار في النهج اليميني الذي يركز على تشديد شروط المواطنة وضبط المجتمع حسب تصوره المُعلن، أو العودة إلى قيادة اشتراكية تسعى إلى إعادة إحياء نموذج الرفاه، وإن كانت ستواجه تحدي التوفيق بين حلفاء متناقضين أيديولوجياً.
ومع ذلك، وبعيداً عن حسابات الربح والخسارة الحزبية، على أهميتها، تبرز أهمية الوعي الجمعي في التعامل مع هذا الاستحقاق. إن حماية المكتسبات المشتركة تتطلب مشاركة انتخابية فاعلة قائمة على الفهم العميق للبرامج السياسية والتواصل المستمر مع المرشحين والأحزاب، بعيداً عن التبعية المطلقة أو الانسياق الأعمى وراء الفزاعات الإعلامية التي لن تؤدي إلا إلى تشتيت الأصوات وضياعها هباءً منثوراً تحت أقدام الحسابات الكبرى.
وفي النهاية، فإن استقرار النموذج السويدي وقوته يقومان، بالدرجة الأولى، على مبدأ الاعتراف بالآخر شريكاً في الحياة، وصون جودة المواطنة وحقوقها الكاملة لجميع أفراد المجتمع وفئاته، أياً كانت أصولهم أو منابتهم؛ فالصناديق وحدها ستفرز الصورة بأرقامها، والرهان دوماً على سعة الوعي الجمعي وجودته وفن التعايش المشترك، فهي الأساس في صياغة وجه السويد الحضاري ومستقبلها.
طاهر أبوجبل