المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس- رأي: بعيداً عن السياسة، تخيل أن تستيقظ صباحاً لتكتشف أن ما ترتديه لم يعد خياراً شخصياً بالكامل. وأن قراراً بسيطاً يتعلق بملابسك أصبح كافياً لأن يرفضك البعض أو يطالب بمنعك من التواجد في أماكن عامة.
قد يبدو ذلك مبالغاً فيه، لكنه بالنسبة لعدد كبير من النساء المحجبات في السويد لم يعد مجرد افتراض، بل شعور حقيقي يتزايد مع تصاعد الدعوات إلى حظر الحجاب في الأماكن العامة وتحويل خيار شخصي إلى قضية سياسية واجتماعية تبحث عن تشريع.
للوهلة الأولى نظن أن الجدل يدور حول الحجاب كرمز ديني أو ثقافي، لكن جوهر القضية أعمق من ذلك بكثير.
السؤال لم يعد لماذا ترتدي بعض النساء الحجاب، بل كيف أصبح التدخل في قرار شخصي يُقدم بوصفه شكلاً من أشكال الحماية والتحرير. وهنا يتجاوز النقاش قطعة قماش أو رمزاً دينياً ليصل إلى سؤال أكثر عمقاً: هل ستبقى الحريات الفردية حقوقاً مكفولة للجميع، أم ستصبح خاضعة للاتجاهات السياسية المتغيرة؟
إن الإشكالية الأساسية اليوم ليست الحجاب بل الحدود الفاصلة بين سلطة الدولة وحق الإنسان في إدارة حياته الخاصة لا سيما في دولة يكفل دستورها حرية المعتقد وممارسة الدين، وتحمي قوانينها الأساسية حرية الفكر وتطبق الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي تمنح كل فرد حق إظهار معتقده وممارسته في المجالين العام والخاص.
ومن هنا فإن الدعوة إلى حظر الحجاب لا تثير فقط جدلاً اجتماعياً، بل تضع الخطاب السياسي في مواجهة مباشرة مع المبادئ التي قامت عليها الدولة الحديثة والتزاماتها القانونية.
جرائم الشرف موجودة
يرى مؤيدو الحظر أن هذه الخطوة ضرورية لمكافحة الاضطهاد المرتبط بالشرف وحماية النساء. ولا شك أن جرائم الشرف والإكراه موجودة بالفعل، وإنكارها سيكون خطأ أخلاقياً وقانونياً، لذا الحكومة نفسها أقرت خططاً وقوانين لمكافحة هذا النوع من الجرائم، ما يعني أن الأدوات القانونية لملاحقة الجناة موجودة بالفعل، ولا أزمة تتعلق بغياب الحماية، بل بتعميم حالات فردية وتحويلها إلى نمط عام يطال الجميع.
وجود الإكراه في بعض الحالات لا يعني أن كل امرأة محجبة مجبرة عليه. فإذا كانت امرأة أُجبرت على ارتداء الحجاب فالقانون يكفل حقوقها ولكن من يحمي اليوم خيار مئات النساء من اللواتي اخترنه عن قناعة ورغبة في ظل التحول من مبدأ الحماية إلى تقييد حقوق الجميع.
ومن المفارقات أن هذا الجدل يأتي في وقت تستعد فيه السويد لتطبيق قانون جديد يجرم العنف النفسي اعتباراً من الأول من يوليو 2026، على اعتبار أن الأذى لا يكون جسدياً فقط، بل قد يأخذ شكل الإذلال والضغط المستمر والسيطرة وتقويض ثقة الإنسان بنفسه وشعوره بالأمان.
ترسيخ شعور الإقصاء والوصم
ورغم أن القانون الجديد يستهدف الأفعال التي تمارس داخل العلاقات القريبة، فإن فلسفته تقوم على الاعتراف بأن الأذى قد يكون نفسياً ومعنوياً أيضاً، وهو ما يطرح تساؤلات حول أثر الخطابات السياسية على بعض الفئات حين تستهدف بخطاب يرسخ الشعور بالإقصاء أو الوصم.
صحيح أن المسؤولية الجنائية تقع دائماً على من يرتكب الاعتداء. لكن التاريخ علمنا أيضاً أن التمييز لا يبدأ بالعنف، بل يبدأ بالكلمات. يبدأ عندما يجري تصوير مجموعة من الناس على أنها مشكلة يجب حلها، أو عندما تتحول هويتهم وخياراتهم إلى موضوع دائم للنقاش والاستهداف. لذا بات من الضروري البحث في مدى المسؤولية الأخلاقية لبعض الخطابات والطروحات السياسية وأثرها على المناخ العام في البلاد.
كثيرون يترددون في الدفاع عن الحقوق
ومن المؤسف أن النقاش ينزلق أحياناً إلى مستوى أكثر خطورة. فبدلاً من الحديث عن الحقوق، نجد أنفسنا أمام سيل من المقالات والمنشورات التي تسعى إلى إثبات أن المرأة المحجبة طبيبة أو أكاديمية أو محامية أو سياسية ناجحة. وكأن الحجاب أصبح تهمة رجعية تحتاج إلى أدلة براءة علمية.
لماذا يفترض أصلاً أن تقدم أي امرأة كشفاً بإنجازاتها حتى تستحق حريتها؟ وهل يُطلب من غيرها أن يبرر اختياراته الشخصية؟ وهل أصبحت الحقوق مكافأة تمنح للناجحين فقط؟
الحقيقة أن مطالبة المرأة المحجبة بإثبات قيمتها للمجتمع هي في حد ذاتها إهانة لفكرة الحرية، فحق الإنسان بالاختيار لا يمنح بناءً على حسن السيرة والسلوك، ولا يسحب بسبب المظهر أو القناعة الشخصية.
والأكثر إثارة للقلق ليس فقط تصاعد هذه الخطابات، بل شبه الصمت الذي يرافقها أحياناً. فأين الأصوات القانونية؟ وأين المدافعون عن الحريات المدنية؟ وأين المؤسسات الحقوقية عندما يصبح حق أساسي من حقوق الأفراد موضوعاً للنقاش السياسي؟
وربما يكمن جزء من الإجابة في المناخ العام نفسه. فالكثيرون باتوا يترددون في الدفاع عن هذه الحقوق خشية أن يُفهم موقفهم على أنه اصطفاف ديني أو دفاع عن ممارسات لا يتبنونها أصلاً.
الخوف من الاتهامات بالتشدد
وفي أجواء سياسية مشحونة تتداخل فيها النقاشات حول سحب الجنسيات والتدقيق في حسن السيرة والسلوك والانتماء، يخيل للبعض أن مجرد الدفاع عن حق أساسي قد يكون سبباً كافياً لوضع صاحبه موضع الشبهة أو الاتهام بانتماءات متشددة.
وهكذا يتحول الدفاع عن حرية الفرد في الاختيار في أذهان البعض إلى مخاطرة شخصية ووجودية بالنسبة لهم، رغم أن الأمر لا يتعلق بالدفاع عن دين أو جماعة بعينها، بقدر ما يتعلق بالدفاع عن مبدأ يفترض أنه لا يحتاج إلى تبرير في مجتمع ديمقراطي.
استيراد الوصاية بدلاً من تعزيز الحريات
المحزن أن كثيراً من النساء اللواتي وصلن إلى السويد جئن إليها لأنها مثلت بالنسبة لهن دولة قانون وملاذاً من القمع والعنف والإكراه الذي عرفنه في أماكن أخرى. ولكنهن وجدن أنفسهن مجدداً أمام نقاشات تتعلق بما يجب أن يرتدينه أو لا يرتدينه. فهل يمكن مواجهة مشكلات العالم الثالث باستيراد بعض آلياته القائمة على الوصاية على الأفراد بدلاً من تعزيز الحريات التي دفعت كثيرين إلى اختيار السويد وطناً جديداً لهم؟
اليوم قد يكون النقاش حول الحجاب. وغداً قد يكون حول رمز ديني آخر، أو مظهر شخصي مختلف، أو قناعة لا تعجب أغلبية سياسية، المشكلة ليست في الفئة المستهدفة اليوم، بل في المبدأ نفسه. الخطر لا يهدد مجموعة بعينها، بل يهدد الأسس التي قامت عليها الحرية.
ماذا بعد الحجاب ؟
وأخيراً، بعد الحجاب، هل هناك ألوان معينة قد يصبح غير مرغوب بارتدائها يوماً ما؟الحقيقة أن هذا ليس تهكماً بقدر ما هو تحذير. فعندما يُسمح بطرح أفكار تمس الحريات الفردية تحت ذرائع الحماية، وعندما يتقدم الخطاب الشعبوي على المرجعيات القانونية والحقوقية، وعندما تُقدم أفكار تزرع الانقسام داخل المجتمع على أنها حلول لمشكلاته، يصبح من المشروع التساؤل عن الحدود التي يمكن أن يتوقف عندها هذا المسار، وما إن كانت حرية الفرد ستبقى حقاً تحميه الدولة، أم امتيازاً تمنحه فقط لمن توافق على خياراتهم.
ندى سمارة