المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: أثار صدور كتاب “كافر” لريكارد يومسهوف، النائب عن حزب “ديمقراطيي السويد”، والذي قدمه زعيم الحزب جيمي أوكيسون، لدي أسئلة تتجاوز مضمون الكتاب نفسه. فالتوقيت مهم. نحن أمام فترة تسبق الانتخابات العامة، وفي مثل هذه الفترات تصبح الكلمات والمواقف جزءاً من معركة تشكيل الرأي العام وكسب أصوات الناخبين.

لهذا يصعب عليّ أن أفصل صدور الكتاب عن المناخ الانتخابي المحيط به. فعندما يُقدَّم دين يعتنقه نحو 10–12% من المواطنين السويديين باعتباره تهديداً، ثم تُربط به الجريمة والهجرة ومشكلات الاندماج والتغيرات الديموغرافية، فإننا لا نعود نتحدث فقط عن نقد دين أو مناقشة أفكار. نحن نتحدث عن صورة تُرسم في أذهان الناس عن شريحة كبيرة من المجتمع السويدي.

من حق ريكارد يومسهوف، ومن حق غيره، أن ينتقد الإسلام. ومن حق المسلم والمسيحي واليهودي أيضاً أن يناقش وينتقد الأفكار الدينية. هذه هي حرية التعبير، وهي حق أساسي لا أريد الانتقاص منه.

لكن حرية النقد شيء، وتحويل ملايين البشر إلى كتلة واحدة يُنظر إليها بعين الشك شيء آخر. عندما يوصف الإسلام بأنه “أيديولوجية شمولية” تريد “أسلمة العالم”، فلن يسمع الناس نقاشاً فكرياً مجرداً فقط. هناك مواطن سويدي مسلم سيذهب في الصباح إلى عمله، وطالب سيجلس في مدرسته، وامرأة ترتدي الحجاب ستصعد إلى الحافلة، وأب أو أم سيأخذان أطفالهما إلى الروضة. هؤلاء يعيشون نتائج الكلمات في حياتهم اليومية.

وهنا تكمن المشكلة بالنسبة إليّ.

لا أريد أن يصبح المواطن السويدي المسلم مطالباً في كل مرة بإثبات أنه سويدي بما يكفي، أو أنه مخلص لهذا البلد، أو أنه لا يتحمل مسؤولية ما يفعله شخص آخر لمجرد أنهما يشتركان في الدين. الإنسان مسؤول عن أفعاله، وهذه قاعدة بسيطة وعادلة. لا ينبغي أن نحمل الفرد مسؤولية جماعة كاملة، ولا جماعة كاملة مسؤولية فرد.

كما يقلقني أن يؤدي وضع الإسلام في مواجهة الهوية السويدية إلى جعل بعض الإجراءات التي تمس الحريات تبدو طبيعية أو ضرورية: التضييق على المظاهر الدينية، أو الدعوات العامة لحظر الحجاب، أو التعامل مع المساجد والمؤسسات الإسلامية باعتبارها موضع اشتباه دائم، أو النظر إلى المسلمين من زاوية أمنية قبل النظر إليهم كمواطنين وأفراد.

الأمن مهم، ولا أعتقد أن أحداً جاداً يختلف على ذلك، لكن مواجهة الجريمة والتطرف يجب أن تتم بالقانون والأدلة والمسؤولية الفردية، لا بالاشتباه في الناس بسبب أسمائهم أو أصولهم أو عقيدتهم.

ولا ينبغي أن نضع إنساناً أمام اختيار مصطنع: إما دينك أو وطنك.

المواطن السويدي المسلم يستطيع أن يكون مسلماً وسويدياً في الوقت نفسه، وأن يحترم القانون والديمقراطية، وأن يعمل ويدرس ويدفع الضرائب ويربي أبناءه ويشارك في بناء هذا البلد. هذه ليست معادلة معقدة. إنها الحياة اليومية لعدد كبير من الناس في السويد.

لكن هناك جانباً آخر في هذا النقاش أعتقد أننا لا نتحدث عنه بما يكفي، وهو مصلحة السويد نفسها.

روايات تُستخدم لضرب صورة السويد

لقد رأينا خلال السنوات الماضية كيف يمكن استغلال القضايا الحساسة في الخارج. رأينا ذلك بعد حرق نسخ من القرآن، ورأيناه بوضوح في حملة المعلومات المضللة ضد الخدمات الاجتماعية السويدية (Socialtjänsten)، عندما انتشرت ادعاءات بأن السلطات السويدية “تختطف أطفال المسلمين”.

لم تبق تلك الروايات داخل مجموعات صغيرة على الإنترنت. انتشرت عبر الحدود، واستُخدمت لضرب صورة السويد، واضطرت مؤسسات الدولة إلى بذل جهود وموارد كبيرة لتوضيح الحقائق والرد على المعلومات المضللة.

الحكومة السويدية نفسها تعاملت مع حملة التضليل المتعلقة بالخدمات الاجتماعية باعتبارها واحدة من أخطر حملات التأثير التي تعرضت لها السويد في السنوات الأخيرة. كما رأينا كيف استُغلت حوادث حرق القرآن والكتب المقدسة لبناء رواية في الخارج تقول إن الدولة السويدية تقف وراء هذه الأفعال أو تشجعها.

نحن نعرف إذن أن هناك من ينتظر مثل هذه الفرص.

هناك دول وجهات وأصحاب مصالح وشبكات نشطة جداً في الفضاء الإلكتروني لا تحتاج إلى اختراع كل شيء من الصفر. أحياناً يكفيها تصريح، أو صورة، أو مقطع فيديو، أو جملة مقتطعة من سياقها، ثم تبدأ عملية إعادة صياغتها ونشرها لتخدم رواية معادية للسويد.

لهذا لا أعتقد أن بإمكاننا القول ببساطة: لدينا أمن سيبراني ولدينا مؤسسات قادرة على مواجهة ذلك.

مهما كانت الدولة قوية تقنياً، فمن الصعب مواجهة سيل هائل من المعلومات المضللة بعد انتشاره. الدفاع الأفضل لا يكون تقنياً فقط. جزء منه هو أن نحافظ على ثقة الناس بعضهم ببعض، وعلى ثقتهم بالمؤسسات، وألا نقدم لمن يريد الإضرار بالسويد انقسامات داخلية جاهزة للاستغلال.

وهنا أطرح سؤالًا على ريكارد يومسهوف ومن يقفون خلف هذا الخطاب: هل فكرتم في هذه النتيجة أيضاً؟

هل فكرتم في الطريقة التي يمكن أن تُنقل بها هذه الرسائل إلى خارج السويد؟ وكيف يمكن أن تستخدمها جهات لها مصلحة في تصوير السويد كدولة تعادي المسلمين أو تضطهدهم؟ وكم سنحتاج بعد ذلك من الوقت والجهد والموارد لنقول للعالم: هذه ليست السويد، وهذه ليست الطريقة التي تعامل بها الدولة مواطنيها؟

الاستقطاب لا يصيب فئة واحدة

هذا السؤال لا يتعلق بمنع الكتاب ولا بإسكات صاحبه. على العكس. حرية التعبير يجب أن تبقى محمية، لكن الحرية لا تلغي المسؤولية عن التفكير في أثر ما نقوله.

وقد عبّر رئيس الوزراء أولف كريسترشون عن فكرة مشابهة في سياق حرق القرآن، حين أكد أهمية حرية التعبير، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن كون الفعل قانونياً لا يعني بالضرورة أنه مناسب، ووصف حرق الكتب المقدسة بأنه شديد الافتقار إلى الاحترام ومستقطب.

وسبق لكريسترشون أيضاً أن رد على وصف يومسهوف للإسلام بأنه “دين مقزز”، معتبراً أن وصف ديانة عالمية يعتنقها عدد هائل من البشر بهذه الطريقة أمر “مقزز”.

وهنا أعتقد بأن السؤال يستحق أن يُطرح مرة أخرى. ليس السؤال: هل يحق لك أن تقول ذلك؟ بالطبع توجد حرية تعبير. السؤال هو: ما الذي سيحدث بعد أن تقوله؟ من سيدفع ثمن الاستقطاب؟ ومن سيستغل كلماتك؟ وهل تخدم النتيجة السويد فعلاً؟

هذا مهم لأن الاستقطاب لا يصيب فئة واحدة وحدها. عندما تبدأ الثقة بين المواطنين في الانهيار، يخسر المجتمع كله. وعندما يشعر جزء من السكان بأنه موضع شك دائم، تصبح المسافة بين الناس أكبر، ويصبح عمل من يريد تقسيم المجتمع أسهل.

ونحن، المواطنون السويديون من أتباع الديانة الإسلامية، لسنا مجموعة تعيش خارج هذا المجتمع. نحن موجودون في تفاصيله اليومية. بيننا الطبيب والمدرس والمهندس والعامل والطالب وصاحب الشركة والمتطوع. نحن أمهات وآباء. نذهب إلى أعمالنا، ندفع الضرائب، نقلق على مدارس أطفالنا، نتحدث عن أسعار الطعام والسكن والفائدة، ونريد الأمان في شوارعنا ومستقبلًا أفضل لأبنائنا مثل بقية الناس.

قد تختلف عقائدنا، لكن حياتنا ومصالحنا ليست منفصلة عن حياة بقية السويديين.

ولهذا لا أرى الدفاع عن حقوق المواطن السويدي، بمختلف معتقداته وخلفياته، مطالبة بامتيازات خاصة. عندما أدافع عن حق أي مواطن في ألا يتعرض للتمييز بسبب دينه أو معتقده أو أصله، فأنا أدافع عن المبدأ نفسه الذي يجب أن يحمي الجميع، مسلمين ومسيحيين ويهوداً وغيرهم.

فالمساواة أمام القانون لا تُجزّأ، والكرامة الإنسانية لا ترتبط بدين أو اسم أو أصل. إما أن تكون المواطنة متساوية للجميع، أو تفقد معناها.

والسويد التي أريد أن أراها ليست بلداً بلا اختلافات. هذا غير واقعي، وربما ليس مرغوباً أصلًا. نحن مختلفون في الدين والسياسة والأصل والثقافة وطريقة الحياة، لكن يمكننا أن نختلف ونعيش معاً.

ما يجمعنا ليس أن نصبح متشابهين، بل أن نقبل بقواعد مشتركة: القانون، والحقوق، والواجبات، واحترام كرامة الإنسان.

لدينا أيضاً مشكلات حقيقية يجب ألا نخاف من مناقشتها. لدينا جريمة، ولدينا مشكلات اندماج، ولدينا تطرف، ولدينا بطالة وفشل مدرسي وأحياء تعاني من مشكلات اجتماعية. تجاهل هذه القضايا لا يساعد أحداً.

لكن هل تصبح هذه المشكلات أسهل عندما ننسبها إلى دين كامل؟ لا أعتقد ذلك.

علينا أن نناقش الجريمة كجريمة، والتطرف كتطرف، وفشل الاندماج كفشل في الاندماج، وأن نحدد المسؤولية حيث توجد بالفعل. بهذه الطريقة يمكننا البحث عن حلول. أما عندما يصبح ملايين الأشخاص جزءاً من المشكلة بحكم هويتهم، فنحن لا نحل المشكلة، بل نضيف إليها مشكلة جديدة.

ولهذا أعتقد بأن على الناخب السويدي أن يسأل نفسه عن الخطاب الذي يسمعه في موسم الانتخابات. هل يقدم لي حلولاً أفضل للمدرسة والصحة والجريمة والعمل والاقتصاد، أم يقدم لي إنسانًا آخر أخاف منه؟ هل يريد أن يكسب ثقتي، أم يريد أن يكسب صوتي من خلال خوفي من جاري؟

ليست قضية سماوية

هذه أسئلة أعتقد بأنها أهم بكثير من السؤال عن معنى كلمة “كافر”، لأن القضية بالنسبة لي ليست قضية كفار ومؤمنين أصلًا، وليست مهمتي أن أحكم على إيمان الناس، كما أنني لا أريد من السياسة أن تفعل ذلك.

هذه ليست قضية سماوية. إنها قضية إنسانية ومدنية: هل يستطيع الإنسان أن يعيش بكرامة في وطنه؟ هل يُعامل على أساس أفعاله أم على أساس اسمه ودينه وأصله؟ هل تكون له الحقوق نفسها وعليه الواجبات نفسها؟ وهل يستطيع أبناؤنا أن يكبروا وهم يشعرون بأن السويد وطنهم، لا مكاناً عليهم أن يثبتوا كل يوم أنهم يستحقون الانتماء إليه؟

يمكن للإنسان أن يكون مختلفاً عن الآخر في عقيدته وفكره. يمكنه أن ينتقد ديني ويمكنني أن أختلف معه. ويمكننا بعد ذلك أن نلتقي في العمل أو المدرسة أو الشارع، وأن نعيش تحت القانون نفسه ونحترم حقوق بعضنا بعضًا. هذه هي المسألة.

السويد وطننا جميعاً. وحماية هذا الوطن لا تكون فقط بحماية حدوده ومؤسساته وأنظمته الإلكترونية، بل أيضاً بحماية الثقة التي تربط الناس بعضهم ببعض.

في النهاية، لا أدافع هنا عن عقيدة في مواجهة عقيدة أخرى، ولا أريد أن أحدد من هو المؤمن ومن هو الكافر. أنا أتحدث عن الإنسان وكرامته وحقه في ألا يصبح أقل مواطنة بسبب دينه أو معتقده أو أصله، وعن سويد تستطيع أن تكون قوية وآمنة ومتماسكة من دون أن تحتاج إلى صناعة خصم من داخلها.

حسين الداودي

عضو مجلس القادة متعددي الأديان (MRCL)، التابع للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)