المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: “فلسطين كولا” منذ ظهورها مع بداية الحرب في غزة شكّلت حالة فريدة في المشهدين الاقتصادي والسياسي في السويد وامتدت إلى العالم. إذ لم تكن مجرد علامة تجارية جديدة في سوق المشروبات الغازية، بل رمزاً سياسياً وإنسانياً ارتبط مباشرة باسم فلسطين وكوفيتها وشجرة زيتونها وبغزة التي خُصصت لها كل أرباح البيع، وفق ما أعلنت الشركة إعلامياً.

خلال أشهر قليلة، تحولت “فلسطين كولا” من منتج محلي في مالمو إلى ظاهرة رمزية وإنسانية عابرة للحدود، تدعو المستهلكين إلى “شرب التضامن” والتعبير عن موقف سياسي من خلال منتج تجاري.

لكن هذه الرمزية التي منحتها شعبية واسعة وضعتها أيضاً في موقع مساءلة إعلامية وشعبية، عندما بدأت الأسئلة تُثار حول مصير الأرباح الموعودة للفلسطينيين، وحول مدى صدقية الخطاب الإنساني الذي تبنّته.

الموضوعية كانت العنصر الغائب الأبرز عموماً في تناول الإعلام لحالة “فلسطين كولا”، في نقطتين رئيستين: الأولى أن المنتج تحوّل إلى رمز تضامني اعتبر كثيرون المساس به مساساً بالقضية نفسها، خصوصاً بعد رفض بعض الدول دخوله بسبب اسمه و رمزيته. أما الثانية، فهي التركيز على التدقيق المالي في صدق وعود الشركة بالتبرع الكامل، مع إغفال الظروف الدولية. ونتيجة للأمرين، فقدنا طرحاً موضوعياً يصف الحالة ويُقيّمها بعيداً عن السياسة أو التبجيل الوطني.

الصحافة، حين تبني استنتاجاتها على الغياب، أي “لم نجد دليلاً”، بدل الوجود، أي “وجدنا ما يناقض التصريحات”، تنتقل من التحقيق إلى الافتراض وتترك الباب مفتوحاً لإثارة الجدل. وهنا أتى التشكيك بمصداقية التبرع ومطالبة الشركة بمكاشفة مالية. السؤال والطلب جائز إعلامياً، لكن السياق الناقص والمعلومات غير الكاملة مجحفة وتصبح مضرة حين لا توضع في إطار إعلامي متكامل.

غياب السياق

في التغطيات الإعلامية بشكل عابر يتم التطرق إلى عوائق إدخال المساعدات إلى غزة وبتغافل كامل عن أن الأمم المتحدة قبل “فلسطين كولا” أعلنت عن المليارات التي لم تصل حقيقة لغزة التي لم تدخل إليها حتى القوانين الإنسانية والعدالة الدولية رغم أنها مكتوبة وموثقة ومثبتة في مواثيق رسمية

دعم الشركة للمظاهرات والحملات التضامنية مع غزة بمنتجات مجانية، وتجاوبها مع مبادرات التبرع داخل السويد وخارجها، هو جزء لا يمكن نكرانه، ويُعد تطبيقاً عملياً للوعد بدعم غزة مادياً. ومن يبحث عن إثباتات، كان يستطيع التواصل مع الشركات والمؤسسات ليؤكد للقارئ مدى دقة هذه المعلومات.

جودة المنتج التي لم يتطرق لها أحد أو نقده بشكل أو بآخر، مؤشر عميق على أن المسألة تجاوزت البيع والشراء، وأصبحت موقفاً إنسانياً تضامنياً. أما مدى صدق الشركة في تخصيص أرباحها لغزة، فمن الواجب إعلامياً البحث والتقصي، خاصة أن الشركة لم توقّع أوراقاً رسمية تُحاسَب عليها أمام القضاء السويدي بتخصيص مبيعاتها لغزة. واقتصر الأمر على تصريحات إعلامية، وأقصى ما قد تُحاسَب عليه، في حال عدم وفائها بوعودها، هو قضايا الترويج المضلل للمستهلكين بموجب القانون السويدي.

ويبقى الأمر في ذمة المعلنين، لكن المطلوب هو وضع الحالة في سياقها وتحدياتها العالمية، والحديث بمهنية أعلى عما منع “فلسطين كولا” والأمم المتحدة، على حد سواء، من إدخال المساعدات. وأكثر من ذلك، فالمفارقة التي غفل عنها كثيرون أن القانون قد يكون بطيئاً ومقيِّداً في إنقاذ أرواح آلاف الجوعى والعطشى، مما أجبر العديد من الأفراد وحتى الشركات على اللجوء للتبرع لحسابات فردية في غزة لإيصال المساعدات، وهو الأمر الذي لا يجرؤ أحد على الإفصاح عنه لعواقبه القانونية.

نجحت “فلسطين كولا” في إثبات حالة تضامن إنساني عالمية، ونجحت في توفير بديل قوي في حملات المقاطعة، كما دعمت حملات التبرعات لغزة بطرق متعددة. لكن هل تبرعت فعلاً بكل أرباحها؟ سؤال يجب أن يُطرح في إطار شامل يصف الواقع والتحديات، ويتجه إلى القانون لإثبات إن كان قد وقع تضليل إعلامي، أم أن الإعلام نفسه وقع في فخ إثارة التضليل.

ندى سمارة