المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: مع اقتراب موعد الانتخابات السويدية، تتزايد الدعوات لتأسيس حزب سياسي جديد يمثل مصالح المهاجرين والفئات المهمشة في المجتمع السويدي. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل الوقت المتبقي كافٍ لبناء قوة سياسية حقيقية قادرة على التأثير؟

الواقع يقول إن تأسيس حزب سياسي مؤثر يحتاج إلى سنوات من العمل المتواصل والتنظيم المحكم والتجربة الميدانية. فالأحزاب الناجحة لا تولد بين عشية وضحاها، بل تنمو وتتطور عبر دورات انتخابية متعددة، تتعلم من أخطائها وتبني قواعد جماهيرية صلبة.

دروس من التجارب السابقة ونتائجها الكارثية

التجربة السويدية في الانتخابات الماضية تحمل دروساً مهمة حول مخاطر تشتيت الأصوات. فقد شهدنا كيف أن تفرق أصوات المهاجرين والمهمشين بين أحزاب صغيرة متعددة لم يحقق النتائج المرجوة، بل ساهم في إضعاف تأثيرهم السياسي الإجمالي، وفتح الباب أمام وصول الأحزاب اليمينية إلى السلطة.

هذا ليس خطاب تخويف، بل حقيقة واقعة نعاني من نتائجها منذ ثلاث سنوات. فالنظام الانتخابي السويدي يتطلب الحصول على نسبة 4 بالمئة من الأصوات على الأقل لدخول البرلمان، وهي عتبة ليست سهلة المنال للأحزاب الجديدة.

النتائج الكارثية للتشتت السياسي

وصول الحكومة اليمينية إلى السلطة أفرز سلسلة من القوانين والسياسات التي تستهدف بشكل مباشر المهاجرين والمجتمعات ذات الأصول الأجنبية. وهذه السياسات لم تعد تقتصر على المهاجرين الجدد، بل امتدت لتشمل حتى المواطنين السويديين من أصول أجنبية.

من أبرز هذه التغييرات:

تشديد قوانين الهجرة واللجوء: تم تقليص فرص لم الشمل للاجئين، وتشديد شروط الحصول على الإقامة الدائمة، مما فرق العديد من العائلات وترك الآلاف في حالة عدم يقين قانوني.

تقييد برامج الدعم الاجتماعي: تم تقليل الدعم المقدم للمهاجرين الجدد، بما في ذلك برامج التأهيل المهني، ما جعل عملية الاندماج أكثر صعوبة.

التهديد بسحب الجنسيات: الأخطر من كل ذلك هو الحديث الجدي عن إمكانية سحب الجنسية السويدية من أصحاب الأصول الأجنبية في حالات معينة، وهو ما يُعد خطراً مباشراً على الأمان القانوني لمئات الآلاف من المواطنين السويديين.

استهداف الرموز الثقافية: تم تقليص الدعم للمراكز الثقافية والمنظمات التي تخدم المجتمعات المهاجرة، ما أثر على الحفاظ على الهوية الثقافية والروابط المجتمعية.

هذه السياسات تُظهر بوضوح أن لا أحد من أصول أجنبية بمنأى عن السياسات العنصرية للأحزاب اليمينية، حتى لو كان يحمل الجنسية السويدية منذ عقود. الخطر لا يقتصر على المهاجرين الجدد، بل يمتد ليشمل الجيل الثاني والثالث من المهاجرين.

استراتيجيات بديلة أكثر فعالية

بدلاً من المراهنة على تأسيس حزب جديد في هذا التوقيت الحرج، يمكن للقوى السياسية الساعية للتغيير أن تتبنى استراتيجيات أكثر واقعية وفعالية:

التأثير على البرامج الانتخابية

يمكن للمنظمات والشخصيات المؤثرة في المجتمع أن تضغط على الأحزاب القائمة لتبني مطالب الفئات المهمشة في برامجها الانتخابية. مبادرة الدكتور ماهر عباس في طرح الأسئلة العشرة تُعد نموذجاً جيداً لكيفية إشراك الأحزاب في النقاش حول القضايا المهمة للمجتمع والتي نشرت منذ أسابيع في الكومبيس.

تشكيل جماعات الضغط

إن تنظيم جماعات ضغط فعالة يمكن أن يحقق نتائج أسرع وأكثر تأثيراً من تأسيس حزب جديد. هذه الجماعات يمكنها أن تعمل عبر الخطوط الحزبية لتحقيق أهداف محددة ومتفق عليها.

استهداف أحزاب اليسار

الأحزاب اليسارية في السويد تُظهر تاريخياً استجابة أكبر لمطالب الفئات المهمشة والمهاجرين. التركيز على بناء علاقات قوية مع هذه الأحزاب وتشجيعها على تبني مواقف أكثر جذرية يمكن أن يحقق نتائج ملموسة.

التخطيط للمستقبل

هذا لا يعني التخلي عن فكرة تأسيس حزب سياسي جديد تماماً، بل يعني التخطيط له بشكل أكثر استراتيجية وواقعية. يمكن للقوى السياسية أن تبدأ الآن في بناء الأسس للدورة الانتخابية المقبلة، مع التركيز على:

  • بناء قواعد جماهيرية صلبة
  • تطوير برامج سياسية متكاملة
  • تدريب الكوادر السياسية
  • جمع الموارد المالية اللازمة
  • إجراء دراسات معمقة لفهم احتياجات الجمهور المستهدف

خلاصة

الواقعية في السياسة تتطلب الاعتراف بأن الوقت المتاح قبل الانتخابات المقبلة غير كافٍ لبناء حزب سياسي قادر على اجتياز العتبة الانتخابية. الحل الأكثر فعالية يكمن في التأثير على الأحزاب القائمة من خلال آليات الضغط والمبادرات السياسية الذكية.

إن النجاح في السياسة يتطلب الصبر والتخطيط طويل المدى، وليس المراهنة على حلول سريعة قد تؤدي إلى نتائج عكسية. الأولوية الآن يجب أن تكون لتحقيق أكبر قدر من التأثير الإيجابي في الانتخابات القادمة، مع الاستعداد لبناء مستقبل سياسي أكثر تنظيماً وتأثيراً.

محمد السهلي