المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: كانت الساعة تقترب من منتصف الليل في أحد أحياء مالمو، جنوب السويد حين جلست “ليلى” ذات الستة عشر عامًا تحدّق في شاشة هاتفها. على الطرف الآخر من المحادثة شاب يكبرها بسنوات، يمارس الضغط على الفتاة بعبارات منمّقة لتُرسل له صورًا لجسدها أكثر جرأة. قلبها الصغير ينبض بالخوف والارتباك، فهي تعرف أن ما تفعله سيغضب والدها بشدة، لكنها تخشى أن تفقد ذلك “الحب” الذي وعدها به هذا الغريب خلف الشاشة.
حين اكتشف والدها الأمر، كان رد فعله غاضبة، ربما مثل أي أب آخر ولكن بطريق غريزية متسرعة، انتزع الهاتف من يد ابنته، وحظر كل طرق التواصل معها، وأصر على ألا تخرج من المنزل حتى “تعود إلى صوابها”. لم تمضِ أيام حتى لجأت ليلى إلى مدرستها، وحكت للمعلمة قصتها، المدرسة أبلغت بدورها الجهات المختصة. وفي لحظة فارقة، وجدت الأسرة المهاجرة نفسها في مواجهة مع السوسيال السويدي، وتم نقل الفتاة إلى أسرة بديلة مؤقتًا، بينما بقي الأب والأم في صراع داخلي ممزق بين رغبتهم في حماية ابنتهم وبين إحساسهم بأنهم فقدوها بسبب قوانين لم يستوعبوها بعد.
ليست قصة ليلى حالة استثنائية، بل هي مرآة تعكس حياة آلاف الفتيات المهاجرات اللواتي يعشن على خط النار بين ثقافتين متناقضتين.
جيل بين جدران ثقافتين
في السويد، الحرية الفردية قيمة مقدسة، والقانون يمنح المراهقين مساحة استقلال قد تبدو واسعة جدًا لأهل قادمون من ثقافات ترى في “العفاف” قبل الزواج أساسًا للتربية الصالحة. الفتاة المهاجرة تكبر وهي تسمع في البيت عبارات مثل: “احذري العلاقات” و”شرف العائلة بين يديك”، لكنها تخرج لتجد صديقاتها السويديات يذهبن إلى الحفلات، يسهرن مع أصدقائهن، بل ويتحدثن علنًا عن علاقاتهن.
هذا التباين الثقافي يتضاعف في العالم الرقمي. دراسة حديثة لمركز سيفو لصالح مؤسسة ChildX كشفت أن واحدة من كل فتاتين بين 15 و19 عامًا في السويد تعرضت لضغوط غير مرغوبة لإرسال صور أو مقاطع عارية عبر سناب شات، تيك توك وإنستغرام. والأسوأ أن 36% من الشباب بين 15 و17 عامًا تلقوا إعلانات من منصات مثل OnlyFans تشجعهم على بيع محتوى جنسي، وكأن الأمر جزء طبيعي من حياتهم الرقمية.
الأهل بين المطرقة والسندان
ما يزيد الوضع تعقيدًا أن القانون السويدي يمنع الوالدين من فرض قيود صارمة على حياة بناتهم. حرمان الفتاة من الخروج ليلًا أو مصادرة هاتفها يمكن أن يُفسر على أنه “تقييد للحرية” أو حتى “إساءة نفسية”، مما يفتح الباب لتدخل السوسيال وسحب الحضانة مؤقتًا.
في مثل هذه الظروف، يعيش الآباء والأمهات حالة من التيه: كيف يحمون بناتهم دون أن يصبحوا متهمين؟ كيف يربون على قيمهم دون أن يصطدموا بقوانين بلد جديد؟
بين التشدد والانسلاخ… أين الطريق؟
الحل ليس في إحكام القبضة على الفتاة حتى تختنق، ولا في تركها للرياح تعبث بها بلا بوصلة. بل هو في بناء جسر من الثقة والحوار بين الأهل والمراهقات، جسر يجعل الفتاة ترى في والديها ملاذًا لا سجّانًا.
خطوات عملية لبناء هذا الجسر:
1. حوار بلا أوامر: بدلاً من “ممنوع” و”عيب”، اشرحوا طرق الإيقاع والوصول إلى مرحلة طلب إرسال الصور العارية، والمخاطر القانونية والنفسية المترتبة على ذلك، والإجبار على الدخول في علاقات غير آمنة.
2. التعرف على القوانين معًا: اجلسوا مع بناتكم واقرأوا نصوص القانون السويدي لحماية الطفل وحرية المراهقين، ليشعروا أنكم تفهمون البيئة الجديدة.
3. الاستعانة بطرف ثالث: قد يساعدكم مستشار أسري أو معالج نفسي يتحدث لغتكم ويعرف ثقافتكم، ليكون وسيطًا بينكم وبين ابنتكم.
4. موازنة المراقبة والحرية: ضعوا قواعد واضحة مثل أوقات العودة للمنزل أو معايير اختيار الأصدقاء، مع ترك مساحة حرية آمنة.
5. التوعية الرقمية: علموا بناتكم وحتى شبابكم كيف يحموا حساباتهم من الابتزاز وكيف يتصرفوا إذا تعرضوا لمضايقات.
6. حب بلا شروط: اجعلوا أولادكم يشعرن دائمًا أن العودة إلى حضن الأسرة ممكنة مهما كان حجم الخطأ.
بين ضفتين متباينتين
قد لا يكون من السهل على الفتيات المهاجرات العبور بسلام بين ضفتي “قيم العفاف” و”قوانين الحريات”، لكن حين يجدن في أسرهن دعمًا وحبًا بلا شروط، يصبح الطريق أقل وعورة.
فاروق الدباغ