المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: مع اقتراب موعد الانتخابات السويدية، نرى اليوم أحزاباً توصف بأنها يمينية، رغم أن بعض أفكارها الاقتصادية تقترب مما اعتدنا أن نسميه يساراً. وفي المقابل، نجد أحزاباً كانت تاريخياً يسارية، لكن بعض مواقفها اليوم تقترب مما كنا نعتبره يميناً.

وهنا يطرح سؤال بسيط نفسه: هل ما زال تقسيم السياسة إلى يمين ويسار يكفي لفهم ما يريده الناخب اليوم؟

بالنسبة لي، كناخب من أصول أجنبية، هذا السؤال ليس مجرد نقاش سياسي أو نظري، بل هو سؤال أواجهه عندما أفكر: لمن سأعطي صوتي؟

حزب يناسب جيبي… لكنه لا يجعلني أشعر دائماً بأنني مرحب بي

قد أكون صاحب شركة وأؤمن بأن العمل والاستثمار يجب أن يكونا مجزيين.

أريد ضرائب أقل على العمل والشركات. أريد أن يكون تأسيس شركة وتشغيل الناس أمراً تشجعه الدولة. وأريد أسعار وقود معقولة، لأن السيارة بالنسبة إلى كثير من العائلات وأصحاب الشركات ليست رفاهية، بل جزء من الحياة اليومية والعمل.

في هذه القضايا، قد أجد نفسي أقرب إلى أحزاب توصف بأنها يمينية. لكن المشكلة تبدأ عندما أنتقل إلى قضايا أخرى. ماذا لو شعرت أن خطاب بعض هذه الأحزاب يذكرني باستمرار بأنني من أصول أجنبية؟ ماذا لو فتحت الأخبار في الصباح وشعرت، مرة أخرى، أن الحديث عن أشخاص من أصول أجنبية يدور غالباً حول المشكلات والجريمة والهجرة والفشل في الاندماج؟

أنا لا أرفض الحديث عن هذه المشكلات. هناك مشكلات حقيقية في الاندماج، وهناك جرائم يجب مواجهتها. ومن الطبيعي أن تطلب السويد ممن يعيش فيها أن يتعلم اللغة، ويحترم القانون، ويعمل عندما يستطيع، وأن يكون جزءاً من المجتمع. لكن ماذا عن الشخص الذي فعل كل ذلك؟

أنا أعيش هنا، وأعمل هنا، وأدفع الضرائب هنا. أطفالي يكبرون هنا، وقد أكون صاحب شركة أو أوفر فرص عمل لأشخاص آخرين. متى أتوقف عن أن أكون “مهاجراً” في النقاش السياسي، وأصبح ببساطة جزءاً من المجتمع؟

على الطرف الآخر توجد مشكلة مختلفة

هناك أحزاب أخرى تقول لي بوضوح: أنت مرحب بك، وأصلك أو اسمك لا يجعلانك أقل انتماءً إلى المجتمع. وهذا مهم. لكنني قد أختلف معها في الاقتصاد.

قد أرى أن الضرائب مرتفعة، وأن تكاليف تشغيل الشركات أصبحت ثقيلة، وأن أسعار الوقود والطاقة تؤثر في العائلات وأصحاب الأعمال. فأجد نفسي أمام اختيار غريب: هل أصوت لحزب يناسبني اقتصادياً، لكنه يجعلني أحياناً أشعر بأنني غير مرغوب بي؟ أم أصوت لحزب يجعلني أشعر بأنني مرحب بي، لكنه يتبنى سياسة اقتصادية قد تعني بالنسبة إليّ ضرائب وتكاليف أعلى؟

لماذا يجب أن أختار بين الاثنين؟

لا أريد أن أختار بين جيبي وانتمائي

لا أريد من حزب أن يقول لي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة: “سنخفض ضرائبك وتكاليفك، لكن عليك أن تتقبل خطاباً يجعلك تشعر أحياناً بأنك ضيف في البلد الذي بنيت فيه حياتك”.

ولا أريد من حزب آخر أن يقول: “أنت مرحب بك، لكن عليك أن تتقبل ضرائب أعلى ووقوداً أغلى وتكاليف أكبر، مهما كان تأثير ذلك في عملك أو عائلتك”.

من حقي كناخب أن أطلب الاثنين معاً. أريد اقتصاداً يشجع العمل والاستثمار وأصحاب الشركات، وفي الوقت نفسه أريد مجتمعاً لا يجعل الإنسان يشعر بأنه غريب بسبب اسمه أو أصله.

أريد عقوبات قوية على من يرتكب الجرائم، لكنني لا أريد أن يتحول النقاش حول الجريمة إلى حكم على مجموعة كاملة من الناس.

أريد اندماجاً حقيقياً، وأعتقد بأن على من يأتي إلى السويد مسؤوليات أيضاً. فتعلّم اللغة، واحترام القانون، ومحاولة العمل والمشاركة في المجتمع ليست مطالب غير معقولة. لكن إذا قام الإنسان بكل ذلك، فمن حقه أيضاً أن يشعر بأن المجتمع قبله فعلاً.

هل أنا يميني أم يساري؟

هنا نعود إلى المشكلة الأساسية.

إذا قلت إنني أريد ضرائب أقل، وظروفاً أفضل للشركات، ووقوداً أرخص، فسيقول البعض إنني أميل إلى اليمين.

وإذا قلت إنني أريد مجتمعاً منفتحاً، وإنني لا أريد أن يُحكم على الناس بحسب أصولهم، فقد يقول البعض إنني أميل إلى اليسار.

إذا طالبت بعقوبات أشد على الجرائم، أقترب مرة أخرى من اليمين.

وإذا طالبت، في الوقت نفسه، بمدارس ومستشفيات ورعاية مسنين قوية تمولها الدولة، أعود إلى اليسار.

فأين أقف؟

ربما المشكلة ليست في موقفي.

ربما المشكلة هي أننا ما زلنا نحاول وضع جميع أفكار الإنسان على خط واحد له طرفان فقط.

السياسة تغيّرت

في الماضي، كان الفرق بين اليمين واليسار أوضح. كان جزء كبير من الخلاف يدور حول الاقتصاد: الضرائب، والعمال، والشركات، ودور الدولة، وكيفية توزيع المال.

هذه القضايا ما زالت مهمة. لكن الناخب اليوم يفكر أيضاً في الهجرة، والاندماج، والجريمة، والطاقة، والمناخ، والهوية، والاتحاد الأوروبي، وقضايا المجتمع المختلفة.

قد يتفق شخصان على الاقتصاد، لكنهما يختلفان تماماً حول الهجرة. وقد يتفقان على الجريمة والهجرة، لكنهما يختلفان حول الضرائب ودولة الرفاه. لهذا أصبح من الصعب وصف كل إنسان بكلمة واحدة: يميني أو يساري.

حتى في السويد، بدأ منذ سنوات استخدام مقاييس أخرى إلى جانب اليمين واليسار، مثل مقياس «GAL–TAN»، في محاولة لفهم مواقف الناس من قضايا القيم والانفتاح والمحافظة والهوية. لا نحتاج إلى الدخول في تفاصيل هذه المصطلحات. المهم هو الفكرة: خط واحد لم يعد كافياً لوصف السياسة كلها.

المشكلة ليست في الناخب

نسمع أحياناً شخصاً يقول: “لا أعرف أي حزب يمثلني”. ربما لا يعني ذلك أنه لا يفهم السياسة. قد يعني العكس تماماً. ربما يعرف ماذا يريد، لكنه لا يجد كل ما يريده داخل حزب واحد. قد يعجبه موقف حزب في الاقتصاد، وموقف حزب آخر في الهجرة والاندماج، وموقف حزب ثالث في التعليم أو الصحة. هذا لا يجعله متناقضاً. فالإنسان أكثر تعقيداً من كلمتين: يمين ويسار.

نحتاج إلى خريطة بدلاً من خط

أنا لا أقول إن اليمين واليسار اختفيا. ما زال هناك فرق حقيقي بينهما، خصوصاً في الضرائب، ودور الدولة، ودولة الرفاه، والقطاع الخاص. لكن هذه الكلمات لم تعد تكفي وحدها لفهم كل ما يريده الناخب.

المجتمع تغيّر. الأحزاب تغيّرت. والقضايا التي تحدد أصواتنا تغيّرت أيضاً. لذلك، ربما يجب أن تتغير الطريقة التي نفكر بها في السياسة. بدلاً من أن نسأل فقط: هل أنا يميني أم يساري؟ يمكن أن نسأل: ماذا أريد للاقتصاد؟ ماذا أريد للمدارس والصحة؟ كيف أريد أن تعالج السويد الهجرة والاندماج؟ كيف أريد أن نواجه الجريمة؟ وما نوع المجتمع الذي أريد لأولادي أن يعيشوا فيه؟

عندها، ربما نفهم أنفسنا كناخبين بصورة أفضل.

مع اقتراب الانتخابات، لا أريد أن أختار بين جيبي وانتمائي.

ولا أعتقد أن على أي ناخب أن يقبل حزمة سياسية كاملة، فقط لأن أحدهم قرر أن يسميها “يميناً” أو “يساراً”.

فاليمين واليسار ما زالا جزءاً من السياسة، لكنهما لم يعودا السياسة كلها.

وربما لم يعد السؤال الأهم: هل أنا يميني أم يساري؟

بل: أي مجتمع أريد أن أعيش فيه، ومن يستطيع أن يقدمه لي من دون أن يطلب مني الاختيار بين مستقبلي الاقتصادي وشعوري بأنني أنتمي إليه؟

عبد الوهاب الرفاعي