المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: انتهت الثورة السورية وبات على السوريين ان يصنعوا دولتهم الجديدة وينتقلوا بها إلى الدولة الديمقراطية العتيدة، لكن الأمر لن يكون بسيطاً، ولا أحد منهم يملك اليوم عصا موسى. التحدي اليوم هو كيف سنزيل كل مظاهر التناقض بين من قاموا بتحرير سوريا من براثن نظام البعث، وكافة عناصر ومكونات الشعب السوري السياسية والاقتصادية، والشعبية الأخرى؟ كيف يمكننا إخراج كل هذا العنف النائم منذ عقود بين ثنايا المجتمع السوري، وتكريسه كنواة لديمقراطية حديثة العهد.
عنصر مفاجئ برز اليومين الماضيين، أظهر أن السوريين مستعجلون، ولن يتركوا لحاملي السلاح المنتصرين فرض أجندتهم، الذين كادوا أن ينسوا أن سوريا حاضرة منذ آلاف السنين. أنشطة دعوية ظهرت خلال الأسابيع الماضية في الشوارع وبعض مرافق الدولة، وظهرت هذه الدعوات في بعض الأحياء ذات الأكثرية المسيحية، وبعد منشورات “حجاب المرأة المسلمة”، تظهر اليوم منشورات مضادة بعنوان “لباس المرأة الحرة”. ماالقصة؟
هي تناقضات طبيعية بنيت عليها الحالة السورية، كل المكونات التي تألف منها المجتمع السوري، حاول النظام السوري تهميشها وتذويب عناصرها تحت قبضة شمولية. فكما أن الدم يولّد الدم فالحالة النقيضة تولّد نقيضا جديداً ليقف الجميع وراء جدرانهم الخاصة، وهواجسهم .
السوريون اليوم يخرجون من وراء تلك الجدران وأفواههم المكمومة منذ عقود ليلاقوا نقيضهم الآخر في الشوارع والساحات. السوريون بدؤوا يكتشفون بعضهم وربما الدعوات إلى لبس الخمار واللباس الشرعي، هي محاولة أخيرة منهم لعدم إظهار هويتهم وانكشافها على الآخر.
النظام السابق حاول منذ خمسين عاماً أن يقطّع اوصال المدن السورية، فابن درعا لا يعرف شيئاً عن ابن حلب. وابن الحسكة، بالكاد يعرف شيئاً عن جاره ابن السويداء، كذلك بالكاد يعرف شيئاً عن جاره الدمشقي، أما الكردي فتنقل بنصف هوية في شوارع دمشق، ويتحدث بلغته الكردية بين أصدقائه من العرب وكأنه يمنع عليهم ثقافته، وهويته. أما الدروز فتخفوا وراء مخاوفهم الوجودية، ليمنعوا باقي السوريين عن كل مكامن الجمال لأهلنا في جبل العرب.
كذلك يعتبر أهل أدلب ان الدمشقيين ينظرون اليهم كدواعش، وهم يحاولون أن يرفعوا عنهم هذه التهمة الثقيلة. لا يعرف ابن طرطوس الكثير عن ابن حوران إلا القليل، وأنهم يأكلون وجبة غنية باللبن والبرغل يغطيها اللحم والسمن، لكنهم لا يعرفون شيئاً عن بصرى ومدرجها الروماني وما وراءهما من بعد حضاري يذهب بعيداً في التاريخ، وكيف كانت حوران هي أهراءات روما التي تطعم العالم قمحاً. حتى بالكاد يعرف ابن حمص بعض الحكايات عن أبناء دير الزور.
بعد الثامن من ديسمبر من العام الماضي وسقوط نظام البعث، انتشر هواء مختلف أكثر صفاء، ولسان حال السوري يقول: “سأذهب قريباً إلى حلب، من دون أن يطلب أحد هويتي على أحد حواجز الفرقة الرابعة المقيتة، وأنا لم أرَ ابداً نواعير حماة إلا في الصور”.
من أهم ما كرّسه العهد البائد على كامل الأرض هو الطائفية. بعد أن فرض نظام الأسد أسلوب المحاصصة الطائفية على الحكومات المتعاقبة المعينة من قبل أجهزة مخابرات الأسد، لتتوزع بشكل غير عادل بين الطوائف.
في الماضي لم تكن هذه التحركات الدعوية معروفة عند السوريين وخصوصاً في الأماكن العامة، كما يرونها الآن، وحسب شهادات لعرب كثر يعيشون في الغرب فإن هذه الانشطة تعتبر أمراً عادياً جداً في كل الدول المتقدمة، بالمقابل فهي موضوعة تحت معايير مقوننة، وضامنة لعدم المساس بحرية أي إنسان أو أي طائفة.
إن ظهور هذه الأنشطة الدعوية والأنشطة المعاكسة لها، هو على الغالب جرس إنذار، يشي بما لا تحمد عقباه، لذلك على حكام دمشق الجدد أن يقوموا بازالة تلك الذرائع والتناقضات، والبحث عن الأسباب، وراء ظهور هكذا مظاهر يمكن اعتبارها طبيعية بعد الخواء السياسي والثقافي الذي يعيشه المجتمع السوري منذ أكثر من نصف قرن.
إن وجود الدولة العصرية المبنية على الديمقراطية والمساواة، التي تفرض المواطنةَ مبدأً أعلى، يجعل كل سوري يحصل على حقوقه كاملة بدون العودة إلى طائفته.
بعد أيام من استلام الإدارة الجديدة مقاليد الحكم، عيّن السيد أحمد الشرع وزيراً للتربية هو نذير القادري وهو أستاذ سابق، ولم يكد أن يوقع أول بريده حتى أصدر تعميماً، لتعديل بعض المناهج التربوية، ما سبب لغطاً في عموم الشارع السوري، تطرقت تلك التعديلات إلى تغيير بعض التفاسير الدينية لسورة في القرآن.
من المعروف أن حالة التغيير الديموقراطية، لن تكون سلسة، أو مفروشة بالورود لكن، يمكن اعتبار ما حدث بشكل إيجابي، وأن السوريين بدؤوا يتقنون بعض الحراك الديمقراطي، لن يُدخل السوريين في دوامة عنف جديدة، سيحميهم منها دستور جديد عصري يحفظ لكل المكونات العرقية والدينية السورية، حقوقها كاملة. كل ذلك بالطبع يحذوه تفاؤل حذر بأن سوريا لن تكون مسرحاً لحرب طائفية تحرق منجزات ثورتهم قبل ربيعها الأول.
أنيس مهنا
سوريا