المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: ما لم يعد قابلاً للتجاهل اليوم هو أن سياسات الهجرة في السويد لم تعد تُمارَس بوصفها أدوات تنظيم إداري أو قانوني محايد، بل باتت تُنتج آثارًا مباشرة وعميقة داخل الفضاء التعليمي، تمسّ جوهر تجربة الطفل اليومية في المدرسة، وتعيد تشكيل إحساسه بالأمان والانتماء.
في تقرير لصحيفة The Guardian حول أوضاع بعض الأسر المهاجرة في السويد، يظهر بوضوح أن مسألة الترحيل لم تعد مجرد قرار قانوني يُنفذ في إطار بيروقراطي، بل أصبحت حدثًا وجوديًا يعيد تعريف حياة الطفل داخل المدرسة وخارجها، ويضعه في حالة قلق ممتد يتجاوز اللحظة القانونية نفسها. ورغم ذلك، يظل الإعلام الناطق باللغة السويدية متحفظًا في معالجة هذا البعد التربوي والإنساني، كما أن النقاش الأكاديمي داخل السويد لم يمنح بعد هذا التأثير على تحصيل المعرفة والاستقرار النفسي للطلاب المكانة التي يستحقها،
في بلدية مثل Huddinge kommun، لم يعد الحديث عن حالات فردية معزولة. حين يتلقى أكثر من اثني عشر طالبًا في المرحلة الثانوية قرارات ترحيل خلال فترة قصيرة، فإننا أمام مؤشر على تحول بنيوي في العلاقة بين المدرسة وسياسات الهجرة. لم يعد الطالب مجرد متعلم داخل نظام تعليمي، بل أصبح أيضًا موضوعًا قانونيًا محتمل الانقطاع في أي لحظة.
الأخطر من ذلك أن المدرسة نفسها بدأت تُدفع تدريجيًا خارج دورها التقليدي. فهي لم تعد فقط مؤسسة للتعلم، بل تحولت إلى فضاء لإدارة الصدمة. بعد صدور قرار الترحيل، تدخل المدرسة في سلسلة من الإجراءات: إشعار الإدارة، إشراك فرق الدعم النفسي، جلسات مرافقة للطالب، وصولًا إلى ما يسمى “اليوم الأخير”، حيث تُكتب رسائل الوداع ويُعاد تنظيم لحظة الانفصال كحدث تربوي-عاطفي.
هذا التحول ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل علامة على أن الأزمة لم تعد استثنائية، بل اندمجت داخل البنية اليومية للعمل المدرسي، حتى أصبح الوداع جزءًا من الممارسة التربوية نفسها.
اللافت أن كثيرًا من هؤلاء الأطفال لم يأتوا من مسارات استقرار، بل من تجارب هجرة محفوفة بالاضطراب. ومع ذلك، بدأت المدرسة تمثل بالنسبة لهم مساحة لإعادة بناء الذات: تعلم اللغة، تكوين العلاقات، واستعادة حد أدنى من الإحساس بالأمان. غير أن هذا البناء يظل هشًا، قابلًا للانهيار مع كل تغيير في السياسات، وكأن ما تم ترميمه عبر سنوات يُعاد تفكيكه بقرار إداري واحد.
في داخل الصفوف، لا يظهر أثر ذلك في شكل صراخ أو اضطراب مباشر، بل في الصمت. طالب كان نشطًا يصبح منسحبًا، وآخر متفوق يتراجع دون تفسير تربوي واضح. هذه ليست مؤشرات ضعف تعليمي بقدر ما هي علامات قلق وجودي مستمر، يجعل التعلم نفسه عملية مثقلة بالخوف.
المعلمون يقفون في موقع حساس: يرون التغير، لكنهم لا يملكون دائمًا أدوات تفسيره بالكامل. خلف كل تراجع أكاديمي هناك بنية اجتماعية ونفسية معقدة، تبدأ من البيت ولا تنتهي عند حدود المدرسة. وهكذا تتحول المؤسسة التعليمية من فضاء للمعرفة إلى فضاء لإدارة أثر السياسات العامة على الطفولة.
ورغم وضوح هذا التحول في الواقع المدرسي، فإن حضوره في النقاش الأكاديمي داخل السويد لا يزال محدودًا. ثمة فجوة واضحة بين ما يحدث داخل المدارس يوميًا، وبين حجم البحث العلمي الذي يتناول العلاقة بين سياسات الهجرة واستقرار الأطفال النفسي والتعليمي.
ما نشهده اليوم ليس مجرد تعديل في سياسات الهجرة، بل إعادة إنتاج مستمرة لحالة من عدم اليقين تمتد داخل جيل كامل. طفل لم يكتمل تعافيه من تجربة الهجرة، يجد نفسه أمام طبقة جديدة من التهديد، أكثر هدوءًا في شكلها، لكنها أعمق أثرًا في بنيتها النفسية والاجتماعية.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح اليوم ليس فقط: كيف تُدار سياسات الهجرة؟ بل: ما الذي تفعله هذه السياسات داخل الفصول الدراسية؟ وكيف يمكن الحديث عن تعليم مستقر في سياق يُعاد فيه تعريف الاستقرار نفسه باستمرار؟
إن أخطر ما في الأمر ليس القرار القانوني بحد ذاته، بل صمتنا عن أثره التراكمي داخل المدرسة. فحين تتحول الطفولة إلى مساحة لإدارة القلق، يصبح التعليم نفسه عرضة لفقدان معناه الأول: بناء مستقبل يمكن الوثوق به.
د. العيد بوعكاز