المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: تشهد السويد، كغيرها من الديمقراطيات الغربية، حالة من القلق السياسي وعدم اليقين، خصوصاً مع تصاعد الاستقطاب الحزبي وتراجع ثقة شرائح واسعة من المواطنين في الأحزاب التقليدية.

في هذا السياق، يطرح البعض فكرة تأسيس حزب جديد يُعبّر عن المهمشين والمواطنين الذين ينؤون بأنفسهم عن التصويت للأحزاب التقليدية، مستلهمين تجارب أوروبية مثل تجربة ماكرون في فرنسا. لكن، هل يمثل هذا التوجه تشتيتاً للأصوات يُضعف قوى التغيير، أم نقلة نوعية يحتاجها المجتمع السويدي؟

‎أولاً: السياق السويدي وتغيرات المشهد الحزبي:

‎شهدت السويد خلال العقد الأخير تحولات سياسية عميقة، تمثلت في:

• تراجع الأحزاب الكبرى (الاشتراكيون الديمقراطيون والمحافظون) عن احتكار المشهد السياسي.

• صعود أحزاب جديدة مثل حزب “ديمقراطيي السويد” (SD) وحزب “نيانس” الذي استهدف شريحة المواطنين من أصول مهاجرة، رغم محدودية انتشاره.

• تزايد الاستقطاب بين اليمين واليسار، مع تداخل الملفات المتعلقة بالهجرة والأمن والاقتصاد.

‎تسعى قيادات الأحزاب التقليدية، كما في حالة ماجدلينا أندرشون، إلى استيعاب بعض مطالب اليمين (تشديد قوانين الهجرة، إغلاق المدارس الدينية الخاصة) في محاولة لاستعادة ثقة الناخبين، ما يثير مخاوف من تحالفات غير مألوفة قد تُقصي الأصوات غير الممثلة.

‎ثانياً: تجربة ماكرون في فرنسا ودروسها للسويد

‎تجربة إيمانويل ماكرون الذي أسس “حركة إلى الأمام” من الصفر واكتسح الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الفرنسية العام 2017، تُعد مثالاً بارزاً على قدرة الأحزاب الجديدة على كسر احتكار النخب التقليدية. عوامل نجاح ماكرون تضمنت:

• خطاب جامع يرفض الاستقطاب التقليدي بين اليمين واليسار.

• انفتاح على جميع الشرائح (شباب، متقاعدون، موظفون، عمال، مهاجرون).

• استثمار في حالة السأم من الأحزاب القديمة.

• استفادة من النظام الانتخابي الفرنسي الذي يتيح فرصاً أكبر للأحزاب الجديدة مقارنة بالنظام السويدي الأكثر صرامة (حاجز الـ4 بالمئة).

‎لكن يجب التنويه أن نجاح ماكرون كان استثنائياً، وتكراره يتطلب ظروفاً موضوعية مشابهة من فقدان الثقة العميق في النخبة السياسية، وقائد يتمتع بكاريزما عالية، ودعم إعلامي ومالي قوي.

‎ثالثاً: “تشتيت الأصوات” بين الواقع والأسطورة

‎يردد بعض ناشطي اليسار أن تأسيس حزب جديد سيؤدي إلى “تشتيت الأصوات” لصالح اليمين المتطرف (جيمي أوكسون وحزب SD). هذا الطرح يحتاج إلى تفكيك:

• النظام الانتخابي السويدي يعتمد على التمثيل النسبي مع حاجز انتخابي (4 بالمئة)، ما يعني أن الحزب الجديد إذا تخطى هذا الحاجز فسيصبح لاعباً سياسياً مؤثراً.

• تجربة حزب نيانس أظهرت أن الأحزاب الجديدة إذا لم تُحسن التنظيم والاستقطاب لن تتجاوز الحاجز، لكن إذا نجحت في جمع الأصوات المتناثرة (خاصة من المهمشين والممتنعين عن التصويت)، فإنها تضيف للمشهد ولا تشتت أصوات اليسار أو الوسط.

• الواقع الديمغرافي: هناك مئات الآلاف من المواطنين (سويديون من أصول مهاجرة، شباب، متقاعدون، غير راضين عن الأحزاب الحالية) لا يصوتون أصلاً، واستهدافهم بحزب جديد قد يرفع نسبة المشاركة ويغير موازين القوى.

‎رابعاً: شروط نجاح الحزب الجديد واستراتيجيته

‎حتى يكون الحزب الجديد نقلة نوعية وليس مجرد إضافة عددية، يجب أن:

1. يتبنى خطاباً جامعاً لا يقتصر على فئة أو دين أو عرق، بل يعبر عن قضايا العدالة الاجتماعية، تكافؤ الفرص، احترام التعددية.

2. يضمن الشفافية والديمقراطية الداخلية، ويبتعد عن الشعبوية أو الخطاب الانفعالي.

3. يستفيد من تجارب الآخرين (ماكرون، بوديموس في إسبانيا، الخضر في ألمانيا) في بناء قاعدة جماهيرية متنوعة.

4. يضع استراتيجية انتخابية واضحة: استهداف الدوائر ذات نسب الامتناع العالية، بناء تحالفات مع قوى المجتمع المدني، التركيز على القضايا اليومية (السكن، العمل، التعليم، الصحة).

5. يركز على المصداقية وعدم تخويف الناخبين (تجنب خطاب “الرهاب السياسي” الذي تستخدمه بعض الأحزاب لتخويف الناخبين من التغيير).

‎خامساً: الخلاصة والتوصيات

‎تأسيس حزب جديد في السويد، إذا تم وفق رؤية شاملة واستراتيجية واضحة، يمكن أن يكون نقلة نوعية تعيد الحيوية للديمقراطية السويدية وتمنح صوتاً للمهمشين والمستبعدين من العملية السياسية. التخويف من “تشتيت الأصوات” ليس حجة موضوعية إذا كان الحزب الجديد قادراً على استقطاب ناخبين جدد وتجاوز حاجز الـ4 بالمئة. التجارب الأوروبية تثبت أن التغيير ممكن إذا توفرت الإرادة والتنظيم والقيادة الملهمة.

لذلك أرى عدم الانجرار وراء خطاب التخويف، والعمل على بناء حزب ديمقراطي جامع، يفتح الباب لكل المواطنين دون تمييز، ويعتمد الشفافية والبرامج الواقعية، مع الاستفادة من تجارب الآخرين دون تكرار أخطائهم.

محمود الدبعي

‎المراجع:

دراسة حول أثر الأحزاب الجديدة في الأنظمة النسبية: European Political Science Review, 2022
تحليل تجربة ماكرون: Le Monde Diplomatique, 2017 3.
النظام الانتخابي السويدي: Valmyndigheten.se