كل الرموز الدينية لا تساوي عندي حياة طفل. قتل طفل جريمة لا تقارن بهدم تمثال أو إحراق كتب دينية أو الإساءة لكنيسة أو مسجد، رغم أن الأمر مقلوب في أحايين كثيرة. إهانة الرموز قد تحرك غضب الجماهير أكثر بكثير من جرائم قتل الأطفال بدم بارد أو تشريدهم. إنها حالة من العمى الأخلاقي التي تضرب العقل الجماعي العاطفي.

“بابا راح يجيب لنا خبز وما رجع”، هكذا يروي طفل لمراسل صحفي كيف قُتل أبوه وهو يبحث عن رغيف خبز لعائلته.

“مصيدة الخبز” مصطلح أنتجته آلة الحرب الإسرائيلية في غزة. تقارير الأمم المتحدة أكدت أن الجيش الإسرائيلي أطلق النار على أشخاص بينما كانوا يحاولون الوصول إلى الخبز. مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قال في أحد تقاريره إن الفلسطينيين في غزة يواجهون خياراً “إما الجوع أو المخاطرة بالقتل أثناء محاولة الحصول على الطعام”.

هذه واحدة فقط من مشاهد “القتل الوحشي” التي أنتجها جيش إسرائيل دون أي اضطرار او اشتباك.

أكثر من 50 ألف طفل بين قتيل وجريح خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، وأضعاف أضعافهم يعيشون حياة من البؤس، كثيرون منهم فقدوا آباءهم أو أمهاتهم، وبعضهم فقد كل أفراد عائلته.

مقطع مصوّر حديث جرى تداوله على نطاق واسع أظهر جندياً إسرائيلياً وهو يوجّه ضربات بمطرقة إلى رأس تمثال للمسيح في قرية دبل بجنوب لبنان. المشهد أثار ردود فعل غاضبة وتنديداً دولياً واسعاً إلى درجة أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أعلنت الخميس أن كتيبة إيطالية عاملة ضمن قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (يونيفيل) هرعت إلى استبدال تمثال المسيح.

صورة مغرقة في الهزلية

المثير للسخرية أن مسؤولين إسرائيليين بينهم رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير استنكر تحطيم التمثال ووصفه بأنه ‌سلوك “غير مقبول ويفتقر إلى الأخلاق”. يفتقر إلى الأخلاق حقاً؟!

وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أدان أيضاً وكتب على إكس “نعتذر لكل مسيحي تأذّت مشاعره”.

مشاعر “مرهفة” من مسؤولين إسرائيليين بعضهم يدير عمليات القتل اليومية بشكل مباشر تحت إدارة رئيس حكومة مطلوب للعدالة الدولية.

“إسرائيل لا تقبل بإهانة الرموز المسيحية”.. صورة مغرقة في هزليتها يريد المسؤولون الإسرائيليون تصديرها للعالم، وتكذّبها شهادات المسيحيين في فلسطين.

الأب منذر إسحاق جاء من رام الله وألقى هذا الأسبوع عظة مؤثرة في ستوكهولم عما يعانيه الفلسطينيون عموماً والمسيحيون خصوصاً تحت الاحتلال. يضرب إسحاق أمثلة من الحياة اليومية ويقول في مقابلة للكومبس “العالم بات يدرك أن المسيحي مثل المسلم مستهدف باعتباره فلسطينياً”. لكن يبدو أن بعض السياسيين السويديين المستميتين في الدفاع عن إسرائيل ليسوا من هذا العالم الذي يتحدث عنه إسحاق.

تنتقد الكاتبة زينة الديواني في افتتاحية نشرتها أفتونبلادت صمت إيبا بوش على تحطيم تمثال المسيح. تستشهد بمواقف أليس تيودوريسكو موفه التي تمثل المسيحيين الديمقراطيين في البرلمان الأوروبي وهي واحدة من أكثر المدافعين صخباً عن إسرائيل. وبالمناسبة ما زالت موفه تصر على إخفاء مصدر تمويلها. تقول الديواني “يبدو أن بوش تدعم ممثلتها في البرلمان الأوروبي. إيبا بوش نفسها التي اعتبرت أن برنامجاً كوميدياً على SVT “يهين المسيح””.

“ازدواجية المعايير” صارت كلمة ممجوجة لكثرة تكرارها في السويد خلال السنوات الأخيرة. والحقيقة أن الواقع تجاوزها إلى ما يمكن تسميته بـ”العمى الأخلاقي”، فمن يشرب بحراً من الجرائم بحق الأخلاق والإنسانية لن يغصّ بساقية إهانة الرموز الدينية.

مهند أبو زيتون