سحب الجنسية أصبح قاب تصويت واحد. بعد موافقة البرلمان بأغلبية كاسحة على التعديل الدستوري يبقى تصويت بعد الانتخابات لتتغير القوانين الأساسية (الدستور) في البلاد. حينها تصبح مواطنة حوالي ربع السكان مشروطة بشكل دائم، بغض النظر عن الشروط. في حين تكشف أرقام التصويت عن تغير عميق في المزاج العام السويدي.

اعتاد منتقدو “سحب الجنسية” القول إنه يحول سويديين إلى “مواطنين من الدرجة الثانية”، مواطنين قد يخسرون “سويديتهم” مقابل آخرين يبقون “سويديين” مهما فعلوا. إنها إذن مواطنة مشروطة تشمل فقط مزدوجي الجنسية.

لم يكن تصويت الأربعاء تصويتاً عابراً، إنه تغيير في الدستور الذي كان يحمي المواطنة حماية مطلقة، والأهم أنه كان تعبيراً عن تغيير جذري في السياسة السويدية والمزاج العام الذي تعبّر عنه.

282 صوتاً مع التعديل الدستوري مقابل 23 صوتاً ضد، فيما امتنع 42 نائباً عن التصويت، وغاب نائبان عن الجلسة. صوّتت مع الاقتراح أحزاب الاشتراكيين الديمقراطيين، وديمقراطيي السويد، والمحافظين، والمسيحيين الديمقراطيين، والليبراليين، إضافة إلى ستة نواب مستقلين. فيما صوّت حزب اليسار ضد المقترح، وامتنع حزبا الوسط والبيئة عن التصويت.

إنها أغلبية ساحقة لم تتوفر لكثير من الاقتراحات الحكومية التي مرت بأغلبية صوت أو صوتين. حتى اقتراح حزب الوسط الذي تضمّن صياغة أكثر تقييداً لبند سحب الجنسية، بحيث تُحصر الحالات بجرائم وتهديدات خطيرة ومحددة بوضوح قانونياً، سقط بأغلبية أكبر من التصويت على التعديل الدستوري. حيث صوّت لصالحه فقط 23 نائباً من الوسط، مقابل 301 نائب أيدوا اقتراح اللجنة الدستورية، فيما امتنع 24 نائباً من حزب اليسار عن التصويت.

الانقلاب الأكثر وضوحاً في المواقف كان من الحزب الأكبر، الاشتراكيين الديمقراطيين، الذي كان يرى أن مصطلحات مثل “الجريمة الخطيرة” “والمصالح الحيوية” فضفاضة قانونياً، قبل أن يغير رأيه ويصوت لصالحها.

فكرة سحب الجنسية انتقلت من طرح “يميني متشدد” في بداياتها إلى سياسة تؤيدها أغلبية برلمانية كاسحة. وأصبحت القضية مرتبطة بالأمن القومي والجريمة المنظمة أكثر من الهجرة وحدها. ولا يكفي لتفسير هذا التحول الاختباء وراء فكرة الضغوط الانتخابية، فالتحول أعمق من ذلك. و”الضغوط الانتخابية” بحد ذاتها تنبئ عن مزاج شعبي جديد يتشكل في السويد وينظر إلى المهاجرين باعتبارهم “مشكلة” يجب التخلص منها، إما بالترحيل أو سحب الجنسية. عبارة “أعيدوهم إلى بلادهم” التي كان مستهجنة حين يطلقها اليمين المتطرف ارتدت الآن ثوباً دستورياً وسياسياً مقبولاً لدى الغالبية.

السويد تتغير

السويد تتغير نعم، ويمكن قول الكثير عن مسؤولية الأحزاب ودعاية اليمين المتطرف، وكتبنا هنا وكتب غيرنا مراراً وتكراراً، لكن ماذا عن دور المهاجرين أنفسهم؟ لماذا تحول الترحاب الذي قوبلوا به إلى “نفور” وضع حزباً مثل SD في مرتبة متقدمة، ودفع حزباً مثل S إلى الاتجاه “يميناً” خوفاً من أن يخسر شعبيته؟

ما الذي فعله المهاجرون، والأهم ما الذي لم يفعلوه، إزاء ظواهر الجريمة التي ربطها اليمين بهم؟ وما الذي يفعلونه إزاء مظاهر “الفساد” التي يحاول SD الآن ربطها بهم أيضاً؟

من اعترض على مدارس مستقلة نهبت أموال الدولة لتصرفها باسم المهاجرين على مصالح شخصية؟ وماذا تفعل جمعيات تأخذ مساعدات من الدولة لـ”تعزيز الاندماج”، غير تحويل المقرات إلى مقاه لتدخين الأرجيلة والدخول في جدالات عقيمة وانقسامات حول الحروب والأزمات التي لا تنتهي في الشرق الأوسط؟ ماذا تفعل مراكز دينية ورجال دين غير تنفير الناس من المجتمع السويدي وزيادة الانقسام الطائفي داخل مجتمعات المهاجرين نفسها، وبينها وبين المجتمع الأكبر؟

الصورة ليست معممة، وهناك بالتأكيد كثيرون يقومون بدور إيجابي، غير أن جهدهم يكاد لا يرى أمام السلبية التي تتعامل بها هذه التجمعات مع قضايا تمس بوضوح مستقبلها ومستقبل أولادها في هذا البلد الذي يستهجن بعضهم تسميته وطناً.

إنها أسئلة صار لا بد أن نطرحها على أنفسنا ونحن ننتقد الأحزاب واليمين المتطرف والمجتمع الذي فشل في محاربة العصابات، وفشل أيضاً في إدماجنا بمواطنته. أسئلة لا بد منها حتى لا نتحول لمواطنين “درجة ثانية” فعلاً.

مهند أبو زيتون