عندما تحذر منظمات دولية عدة، من بينها منظمة العفو الدولية، من أن السويد تتجه أكثر فأكثر نحو مسار عنصري، وذلك قبل أيام من جلسة التصويت في البرلمان على مقترح “السلوك الحسن”، فهذا يعني أن هناك الكثير مما يستدعي التفكير بشأنه حول المسار الذي تسلكه السويد. كما يدعو الجميع إلى تحمل المسؤولية، خاصة ممن لا يريدون ارتباط هذا البلد المعروف بمواقفه الإنسانية العريقة بوصمة العنصرية. لأن المتضررين هنا ليسوا فقط ذوي الأصول المهاجرة، بل المجتمع بأكمله. وكما نعلم، فإن كل انهيار يصيب الأنظمة الراسخة يبدأ غالباً بهزات صغيرة تمر في لحظات الغفلة والتهاون، قبل أن تتحول إلى موجات عاتية يصعب وقفها أو السيطرة عليها

تماماً كما جاء في مقال رأي كتبته الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية في السويد، آنا يوهانسون، في صحيفة إكسبريسن، عندما قالت: “يُظهر التاريخ ما يمكن أن يحدث عندما تبدأ الدول، بذريعة النظام والأمن، في تصنيف الناس على أساس لون البشرة والأصل العرقي”.

وضمن مجموعة من القوانين والتشريعات التي تسارع الحكومة الحالية إلى إقرارها قبل نهاية ولايتها، يأتي التصويت على تشريع جديد يوم الإثنين المقبل، يربط منح أو سحب تصاريح الإقامة بما يسمى “السلوك الحسن”.

وتبدو فرص إقرار التشريع متوفرة في حال لم تحدث غيابات أو مفاجآت في مواقف بعض النواب من أحزاب الحكومة وديمقراطيي السويد (SD) ، الداعم لها. ومن المتوقع أن تقدم المعارضة، مشاريع بديلة عن الاقتراح الحكومي، كما جرت العادة عند إقرار عدة قوانين تتعلق بالهجرة واللجوء والاندماج. وكما نتابع، فإن عدداً من هذه المشاريع المضادة في الآونة الأخيرة فشلت بفارق صوت واحد أو أكثر بقليل.

وللمفارقة، فإن أحزاباً ترفع شعارات الديمقراطية والليبرالية، مثل ديمقراطيي السويد والحزب الديمقراطي المسيحي والمحافظين والحزب الليبرالي، هي نفسها التي تهدد اليوم ديمقراطية السويد وليبراليتها عبر وضع معايير لتحديد حق الفرد في أن يكون جزءاً من السويد، وإعادة تعريف ما يسمى بـ”القيم السويدية”، وبالتالي التأسيس لنظام يُعامل فيه الأشخاص بشكل مختلف تبعاً لأصولهم العرقية. هذا عدا زعزعة ثقة فئة من السكان بالمجتمع ومؤسساته، حيث قد يفضي تطبيق “السلوك الحسن” إلى عواقب كارثية تشمل إجبار أشخاص على مغادرة منازلهم، والانفصال عن عائلاتهم، وفقدان مستقبلهم.

إن الوقوف في وجه هذا التوجه المتسارع نحو إقرار قوانين وتشريعات تقسم المجتمع السويدي وتعبث بصورة السويد عالمياً، بل وقد تؤثر في النسيج المجتمعي، هو كما قلنا مسؤولية الجميع. وللأسف، قد يكون أكثر المتضررين هم من يقفون على الهامش ولا يساهمون حتى بممارسة حقهم في التصويت، فضلاً عن المساهمة بصورة أوسع من خلال المشاركة في الحياة السياسية والمجتمعية وتشجيع أطفالهم على الانخراط في مثل هذه المساهمات.

إن التدهور الذي نتحدث عنه لا يتوقف فقط عند قوانين الهجرة واللجوء، بل يطال أيضاً الحريات الشخصية وحرية التعبير، مثل الاقتراح الداخلي الأخير الذي أعلن عنه حزب SD بشأن منع الحجاب في الأماكن العامة. وقد يرى البعض أن هذا الاقتراح غير عملي أو بعيد عن الواقع، ولكن، وكما نعلم، فإن أغلب القوانين التي تم إقرارها والمتعلقة بالمهاجرين بدأت أيضاً وكأنها بعيدة عن المنطق والواقع.

الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، وفي مقالها في إكسبريسن، تطرقت أيضاً إلى تأثير مقترح “السلوك الحسن” على حرية التعبير، معتبرة أن هذه الحرية حق أساسي يكفله الدستور السويدي ويجب أن يسري على الجميع بغض النظر عن الجنسية أو الخلفية أو الآراء.

وقالت إن هناك خطراً يتمثل في أن يتوقف بعض الأشخاص عن التنظيم أو المشاركة في المظاهرات أو التعبير عن آرائهم خوفاً من الترحيل من السويد. وأشارت إلى أن ذلك قد يحدث إذا عبّروا عن آراء تعتبرها الحكومة وحزب SD غير مقبولة، رغم أنها قانونية ويحق للمواطنين السويديين التعبير عنها.

ولا شك أن الحكومة الحالية تتحمل المسؤولية عن جملة القوانين التي سُنّت مراعاة لرغبات SD، لكن هناك مسؤوليات مقابلة تقع على عاتق المعارضة والمنظمات الدولية وكل الأفراد، وخاصة المتضررين المباشرين.

محمود آغا