المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: مع بداية الخريف في السويد وطول ساعات الليل، تتكرر ظاهرة لافتة بين المراهقين، حسب شكاوي العديد من أولياء الأمور: التزام الفراش لساعات طويلة مع إسدال الستائر وإغراق الغرفة في العتمة. يتحول السرير تدريجيًا إلى مساحة عيش كاملة؛ مكان للنوم، ولتناول الوجبات السريعة ومشروبات الطاقة، وللتنقل السريع بين مقاطع الفيديو القصيرة على المنصات الرقمية.
هذا السلوك الذي يبدو في ظاهره بريئًا قد يحمل خطرًا كبيرًا، ويمكن أن نسميه “تعفّن السرير” (Bed Rot)، وهو مصطلح يصف البقاء الطويل في السرير مع أنشطة سلبية وخاملة، والذي يقود تدريجيًا إلى ما يُعرف عالميًا بـ “تعفّن الدماغ” (Brain Rot)، وهو المصطلح الذي اختارته جامعة أكسفورد كلمة العام 2024 تعبيرًا عن تآكل التفكير النقدي بسبب الإفراط في استهلاك محتوى رقمي سطحي وسريع.
المكوث الطويل في السرير بلا هدف يجعل المراهق أسيرًا لدوامة من العزلة والخمول، حيث يُستبدل النشاط البدني والاجتماعي بمتابعة محتوى فارغ، لتظهر تدريجيًا آثار مقلقة مثل ضعف التركيز والذاكرة، انخفاض الحافز نحو الدراسة أو العمل، وزيادة القلق والاكتئاب، وصولًا إلى الانسحاب من الحياة الاجتماعية والاعتماد الكامل على العالم الافتراضي. “Bed Rot” ليس مجرد كسل عابر، بل هو نمط حياة يُمهّد لـ “Brain Rot”، أي فقدان تدريجي للقدرة على التفكير النقدي والإبداعي، ومع مرور الوقت يترك أثرًا عميقًا على الصحة النفسية والجسدية، ويجعل الجيل أكثر هشاشة أمام تحديات الواقع.
من هنا تأتي مسؤولية أولياء الأمور في رصد هذا السلوك مبكرًا. الغرفة المظلمة معظم الوقت، السرير الذي يتحول إلى مكان للأكل والجلوس، الساعات الطويلة أمام الهاتف، وتراجع المشاركة في الأنشطة العائلية كلها مؤشرات يجب عدم تجاهلها. التدخل لا يكون بالمنع وحده، بل بخلق بدائل عملية وصحية: تنظيم الروتين اليومي وتشجيع التعرض للضوء الطبيعي، إدماج المراهقين في الرياضة والهوايات الإبداعية أو الأنشطة التطوعية، تخصيص أوقات عائلية بعيدة عن الشاشات، وفتح حوار صريح حول الاستهلاك الرقمي الواعي ومخاطر الانغماس في المحتوى السطحي.
إن “Bed Rot” هو جرس إنذار مبكر. إذا أُهمل، فقد يتحول إلى “Brain Rot” يضعف قدرات جيل بأكمله. بصفتي مختصًا في العلاج المعرفي السلوكي والعلاقات الأسرية، أرى أن الحماية تبدأ من الغرفة الصغيرة التي ينام فيها المراهق. هناك، بين جدرانها، يمكن أن تُبنى عادات صحية تشجّع على اليقظة والنشاط، أو تُترك لتتفاقم حالة من الركود الذهني والنفسي يصعب إصلاحها لاحقًا. إن مسؤوليتنا كأسر ومربين ومجتمع هي أن نكسر هذا النمط ونمنح شبابنا البدائل التي تضمن لهم عقلًا حيًا، وإرادة متجددة، ومستقبلًا أكثر إشراقًا.
فاروق الدباغ