لا يمكن وصف شعور أب أو أم عند فقدان أحد أبنائهما في مقتبل العمر، خصوصاً في بلد من المفترض أنهم هاجروا إليه بحثاً عن الأمان، هرباً من الحروب والنزاعات، بعد أن غامروا بكل ما يملكون، وتركوا بيوتهم وأوطانهم من أجل تأمين مستقبل أفضل لأطفالهم في بلدان الغربة البعيدة.
شعور صادم لنا جميعاً أن يتحول هذا الأمان الذي بحثنا عنه هنا في الشمال الأوروبي إلى عكس ما كنا نتمناه. كيف أصبحنا نخاف على أبنائنا من كل شيء، ومن رصاصات طائشة؟
في يوم واحد، أنهى قتلة مأجورون حياة شابين بإطلاق النار عليهما في مدينتين مختلفتين. وفي الأسبوع نفسه، ارتفع عدد الضحايا إلى أربعة من الشباب، في مناطق مختلفة من السويد، أكبرهم لم يتجاوز العشرين من عمره.
“موجة عنف جديدة تضرب السويد”، تقول الصحف ووسائل الإعلام. تصريحات سياسية غاضبة، وتحليلات من مختصين يحاولون فهم ما يحدث. أين مسؤولية الدولة والمجتمع؟ وأين دور الأهل والمدرسة؟ وكيف تنجح العصابات في استدراج أطفال قُصّر إلى عالم الجريمة؟
مهمشون يصفّون بعضهم
ما يزيد المشهد مأسوية، أن المنفذين أنفسهم غالباً ما يكونون أطفالاً أو مراهقين، وقد يكونون من نفس الخلفيات الاجتماعية، خصوصاً بعد أنباء عن توقيف فتاة تبلغ 15 عاماً فقط، مشتبهة بتنفيذ جريمتي قتل في أسبوع واحد. إذاً نحن أمام مأساة حقيقية: صغار يقتلون صغاراً، ومهمشون يصفّون بعضهم.
لا نعلم حتى الآن تفاصيل كل هذه الجرائم. هل كان الضحايا مستهدفين أم مجرد أشخاص وُجدوا في المكان والوقت الخطأ؟ كما حدث في أوبسالا، حين قُتل ثلاثة شبان في صالون حلاقة، ولم يكن أيٌّ منهم الهدف المقصود. أم أن الدافع تصفية حسابات؟ وفي كل الأحوال، يبقى السؤال: من يخطط، ومن يحرّك، ومن يدفع هؤلاء الأطفال إلى القتل؟
أن يخطط شخص لقتل شاب، عبر تجنيد طفل أو مراهق لتنفيذ الجريمة بينما يجلس هو بعيداً، فهذا قمة الجبن وانعدام الأخلاق. نعم، قد يبدو الحديث عن الأخلاق مثالياً في عالم الجريمة، لكن غياب هذا البعد يزيد من تعقيد الظاهرة عند معالجتها اجتماعياً.
وهنا نعود إلى واحد فقط من جذور المشكلة: دور الأهل داخل الأسرة، وطبيعة العلاقة مع الأبناء. لسنا هنا لننصّب أنفسنا مرشدين، ولا لزيادة الألم لدى العائلات التي فقدت أبناءها، لكن من خلال عملنا الصحفي، نلاحظ وجود سوء فهم لدى بعض العائلات لدورها في المجتمع السويدي، خصوصاً فيما يتعلق بتربية الأبناء.
كثير من الأهل يواجهون فراغاً ناتجاً عن الانتقال من مجتمع إلى آخر مختلف تماماً. هذا الفراغ يظهر بين ما كنت عليه وما يُفترض أن تكون عليه، بين الحفاظ على هويتك الثقافية والدينية، وبين الاندماج في مجتمع جديد بقوانينه وقيمه.
ترك هذه المساحة دون وعي أو معالجة قد يؤدي إلى تشتيت الأبناء ودفعهم للبحث عن هوية بديلة. وفي المقابل، هناك من يحاول سد هذا الفراغ بفرض قيود صارمة، دون مراعاة لطبيعة المجتمع الجديد، ما يؤدي إلى نتائج لا تقل خطورة.
توعية الأهل وزيادة فهمهم لهذه المساحة الحساسة ليست مهمة سهلة، بل تحتاج إلى جهد طويل. كيف نحافظ على أطفالنا حتى في مجتمع آمن؟ كيف نشجعهم على الحديث معنا عن مخاوفهم؟ كيف نناقشهم بندية لا بفوقية؟
ربما الحل ليس في الاختيار بين هويتين، بل في أن نحوّل منطقة التماس من مساحة خلاف وتباعد إلى مساحة لقاء وتقارب، تقارب بيننا وبين أطفالنا، وبيننا وبين المجتمع السويدي، وبيننا وبين أنفسنا.
على الطرف المقابل، هناك من يحاول استغلال هذه الجرائم لبث مزيد من التحريض ضد المهاجرين وتحميل الأهالي المسؤولية الكاملة، وكأنه لا مجتمع ولا مؤسسات دولة معنية بكل ما يحصل. وهؤلاء عادة ما يسكتون حين يتورط ابن وزير مثلاً في عنف اليمين المتطرف أو حين يتورط ابن سياسيين في محاولتي قتل بتكليف من عصابة فوكستروت.
آن الأوان ليقف المجتمع كله وقفة جادة بعيداً عن توزيع الاتهامات ليجد حلولاً جذرية لنار تلتهم كل يوم مزيداً من الشباب الصغار الذين كانوا يوماً مشاريع حيوات ناجحة في أحلام أمهاتهم وتطلعات السويد.
محمود آغا