من الواضح أن هناك قوى سياسية وحزبية في السويد أصبحت منزعجة بشكل متزايد من تداعيات الحرب على غزة، منزعجة لا من طول أمد الحرب، أو من عدد الضحايا، أو من التمادي في التدمير والتجويع والقتل الذي تجاوز كل الحدود، بل منزعجة من صخب المظاهرات والحراك المندد بمرتكبي هذه الجرائم والصامتين عنها.

لسان حال هؤلاء يقول: دعوا القاتل يكمل مهمته بلا إزعاج أو فوضى أو حتى احتجاج. ولكن هل ينجح هؤلاء في إسكات من يدافع عن القيم الديمقراطية والإنسانية في السويد والعالم؟ هل نعيش نظرية مؤامرة جديدة أم أن الأمر صراع باسم الديمقراطية على الديمقراطية نفسها وعلى ما تبقى من إنسانية؟ أهلاً بكم.

تصريحات حكومية وحزبية بدأت تُظهر انزعاجها من المظاهرات التي تجوب كل أسبوع معظم المدن السويدية للتعبير عن الغضب من عنجهية قادة إسرائيل واستمرارهم في “الإبادة الجماعية”، وفق آخر توصيف أممي.

الخوف الآن هو أن ينجح هؤلاء السياسيون في تقديم اقتراحات تحد من حرية التظاهر لتقييد هذا الحراك وحتى منعه ومعاقبة القائمين عليه، بذرائع مختلفة. بعدما صار التركيز على أخطاء شخصية لبعض المتظاهرين وتصيد تصرفاتهم هدفًا لبعض السياسيين وبعض وسائل الإعلام، مع إغفال كامل لأسباب هذا الحراك المتمثل بجرائم الحرب في غزة.

إدانة متسرعة؟

قبل يومين نزل “دوش بارد” على رؤوس عدة شخصيات سياسية في الحكومة والمعارضة السويدية عندما تسرعت هذه الشخصيات، عن قصد أو عن جهل، وبادرت إلى إدانة مظاهرة أمام مدرسة يهودية من دون التحقق من الأسباب والتفاصيل. حتى الصحافة السويدية أغفلت في البداية أن المظاهرة جاءت للتنديد بدعوة مركز ثقافي جندياً إسرائيلياً سابقاً شارك في الحرب على غزة، وأن المظاهرة نفسها نُظمت من قبل يهود سويديين غير راضين عن استقبال هذا الجندي.

رئيس الكتلة البرلمانية لحزب المحافظين، ماتياس كارلسون، وصف المتظاهرين بـ”الوحوش” في تغريدة له على منصة “إكس”. والأغرب أن وزيرة الخارجية، ماريا ستينرغارد، أعادت نشر التغريدة إلى ما يقارب ستة وأربعين ألفًا من متابعيها، وكأنها تتفق مع زميلها في الحزب على أن المتظاهرين ليسوا بشرًا. كلمة odjur والتي تترجم إلى “وحوش” تعني، حسب الشرح الأكاديمي السويدي، حيوانات مفترسة خطيرة، مخلوقات مرعبة، أشرار.

هذا الوصف المتسرع جاء بعد تقارير إعلامية ركزت على أن مكان إقامة مظاهرة الاحتجاج ضد دعوة الجندي الإسرائيلي السابق هو مدرسة أطفال. صحيح أن الاحتجاج جرى أمام مركز ثقافي يضم أيضاً مدرسة يهودية لديها نشاطات للرعاية بعد الدوام المدرسي، لكن الصحيح أيضاً أن المظاهرة بدأت في المساء بعد الدوام المدرسي.

وزيرة الخارجية، وبعد كل هذه الحقائق، دافعت بعصبية في البرلمان عن زميلها وعن إعادة نشرها لكلامه، وضربت على الطاولة قائلة إن كلامها يأتي ضمن حرية التعبير، واتهمت رئيسة المعارضة مجدلينا أندرشون بالتشجيع على نشر معاداة السامية، من دون أن توضح كيف.

لكن حتى مجدلينا أندرشون نفسها وقعت في المصيدة، فلحقت بالركب عندما قالت “إن تنظيم تظاهرة ضد إسرائيل أمام مدرسة يهودية أمر غير لائق على الإطلاق”، لكنها عادت لتقول “إننا في السويد لا نصف البشر بالوحوش”.

“غير لائق”

رئيس المجلس المركزي اليهودي، آرون فيرشتينديغ، خرج بمقابلة مع الكومبس بعد هذا اللغط وأوضح بعض الحقائق حين قال إن من غير اللائق استضافة جندي إسرائيلي سابق في المركز الثقافي. كما انتقد أيضاً اللغة التي استخدمها بعض السياسيين ضد المتظاهرين مثل وصفهم بـ”الوحوش”.

لا يمكن إغفال أيضًا تصريحات إيبا بوش النارية ضد المتظاهرين المنددين بالحرب على غزة، مستغلة بعض التصرفات الفردية للمتظاهرين لتضخيمها على حساب جوهر ما يجري في غزة. وكأن السلوك وليس الأفكار هو المهم بالنسبة لها ولمن يحاولون إسكات الناس الغاضبين، خصوصاً مع صمت السياسيين رغم بعض التصريحات المهدئة التي اعتاد العالم سماعها من إدانات متكررة ودعوات ناعمة ورقيقة للحكومة الإسرائيلية بضرورة إدخال المساعدات وأحياناً بوقف الحرب.

من المؤكد أن محاولات بعض السياسيين لكبح المتظاهرين والحراك المندد بالحرب على غزة ستستمر، لكن هناك قوى سياسية وقوى مجتمع مدني لا تزال أقوى، ولا تزال تكافح من أجل عدم المساس بحرية الاجتماع والتظاهر، لأن هذه الحرية جزء أصيل من التقاليد الديمقراطية السويدية منذ القرن التاسع عشر.
كثير من المتظاهرين ما زالوا مستمرين بالخروج إلى الشوارع مستخدمين حقهم الديمقراطي في التعبير عن غضبهم، رغم بعض الأصوات التي تناقش جدوى استمرار هذا الحراك. ولكن ما دام بعض السياسيين يبدون انزعاجهم من التظاهرات فهذا يعني أن الجدوى موجودة وأن التأثير يمكن ان يتطور.

محمود آغا