المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: لم تهدأ السويد هذا الأسبوع بعد مقتل امرأة في الخمسينات على يد أقاربها، في جريمةٍ وُصفت بأنها “جريمة شرف”.

لكن خلف هذا العنوان المألوف تختبئ مأساة أعمق: كيف يمكن لجريمةٍ ذات دوافع “قيمية” أن تقع في دولةٍ تُعدّ من أكثر الدول عدلاً ومساواةً في العالم؟

العنف ضد المرأة – سواء سُمّي våld i nära relationer، أو “جريمة غيرة”، أو “جريمة شرف” – يبقى في جوهره واحداً: امرأة تُقتل لأن رجلاً أراد أن يحتفظ بالسيطرة.

الاسم يتغيّر، لكن النتيجة لا تتغيّر.

بحسب تقرير الأمم المتحدة للعام 2024، قُتلت نحو 51 ألف امرأة وفتاة حول العالم على يد شركائهن أو أفراد من أسرهن – أي ما يعادل 140 امرأة يومياً.

وفي أوروبا تُقتل 4.1 نساء من كل مليون امرأة سنوياً، وفقًا لبيانات Eurostat.

أما في السويد، فتُسجل الإحصاءات نحو 16 حالة قتل سنوياً لنساء على يد شركائهن، بينما تسجّل فنلندا 17 حالة، رغم أنها من أكثر دول الشمال رفاهاً ومساواة.

هذه الأرقام تُظهر أن الجريمة لا دين لها ولا جنسية، بل ثقافةُ خوفٍ من فقدان السيطرة تختبئ خلف قناع الشرف.

الهجرة من الخلاص إلى الصدام

حين يصل المهاجر إلى أوروبا، يظن أنه بلغ الأمان بعد الهرب من الحرب أو الفقر. لكن في الواقع يبدأ صراع جديد: اللغة، النظام، القوانين، والمجتمع المختلف.

كل تفصيلٍ صغير – من فرز النفايات إلى حجز موعد في vårdcentral – يصبح اختباراً للهوية. ثم تأتي المفاجأة: الأطفال يندمجون أسرع. يتقنون اللغة ويدخلون نسيج المجتمع، بينما يبقى الأهل أسرى العزلة اللغوية والثقافية.

عندها يشعر الأب، وربما الأم، أن سلطة الأسرة تفلت من أيديهم، خصوصاً مع الصورة النمطية التي تقول إن “الغرب مجتمع متفسخ يهدد العائلة”. وهنا تبدأ الفجوة الثقافية (kulturkrockar) داخل البيت الواحد: الأبوان في وادٍ، والأبناء في وادٍ آخر.

حين تتحول الأحياء إلى محاكم تفتيش

كثير من المهاجرين يبحثون عن الانتماء في أحياء تضم أبناء ثقافتهم الأصلية. لكن هذه الأحياء، رغم دفئها، قد تتحول إلى مجتمعات موازية تعيد إنتاج الخوف والتحريض.

في المقاهي والمجالس المغلقة تدور الحكايات: “ابنة فلان خلعت الحجاب”، “ابن فلان يسهر في النادي الليلي”، “فلانة تتحدث مع شاب سويدي”. يتحوّل الحي إلى Grupptryck — ضغطٍ جماعي يفرض قيمه الخاصة، ويحوّل القيم إلى محاكم تفتيش. وفي لحظةٍ ما، حين تحاول المرأة أن تمارس حريتها الفردية، ينفجر البركان الصامت داخل العائلة.

السياسة والاقتصاد وقوداً للعنف الأسري

في هذا المناخ المشحون، يأتي الخطاب السياسي الأخير في السويد — الرافض لزيادة استقبال المهاجرين، والمقترح بدفع 600 ألف كرون مقابل العودة الطوعية — ليضيف طبقة جديدة من القلق والتهديد الوجودي.

فالمهاجر الذي لم يشعر يوماً بالانتماء الكامل، يسمع اليوم رسالة خفية: أنت غير مرحّب بك. هذا الشعور بعدم القبول لا يبقى في السياسة، بل يتسرّب إلى البيت. فحين ترغب المرأة بالبقاء في السويد واستمرار حياة أطفالها، بينما يرى الزوج أن العودة ومعها المنحة المالية فرصة للهروب من الضغوط، يتحوّل الخلاف إلى صراع وجودي داخل الأسرة. وتصبح قرارات الحكومة مادة اشتعال جديدة للعنف الأسري، خاصة بين الأزواج الذين يعيشون أصلًا في هشاشة لغوية وثقافية واقتصادية.

السياسة هنا لا تقتل مباشرة، لكنها تزرع الخوف. والخوف حين يتسلل إلى العائلة، يبحث عن ضحية. وكما تُظهر الإحصاءات الأوروبية، الضحية غالبًا هي المرأة.

من العجز إلى الجريمة

تُظهر الدراسات أن غالبية مرتكبي جرائم قتل النساء ليس لديهم سجلٌّ جنائي سابق، لكنهم يشتركون في شيءٍ واحد: العجز عن التكيّف مع التغيير. ولأن الثقافة الجنسية والعاطفية شبه غائبة في مجتمعاتنا، يتحول الجسد الأنثوي إلى رمز للشرف، والعلاقة إلى ساحة للهيمنة. في هذه المعادلة، تُغتال الحرية مرتين: مرة بيد الخوف، ومرة باسم الشرف.

ختاماً، العنف ضد المرأة لا دين له، لكنه يجد في الخوف والعزلة تربة خصبة. وما دامت السياسات تعمّق الإقصاء بدل الإدماج، وتتعامل مع المهاجر كعبء لا كفرصة، فإن التوتر داخل البيوت المهاجرة سيستمر بالتصاعد.

الهجرة لا تُغيّر الفكر بل تكشفه. ومن لم يراجع قيمه قبل أن يهاجر، سيحمل معه العنف كما يحمل جواز سفره. أما الشرف الحقيقي، فلا يُغسل بالدم، بل يُبنى بالوعي، وبقدرة الرجل على احترام المرأة لا امتلاكها.

فاروق الدباغ