المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: تقترب السويد من انتخابات 13 سبتمبر 2026 بعد أربع سنوات ثقيلة على المهاجرين، تحولت فيها الهجرة والاندماج والإقامة والعمل ولمّ الشمل إلى ملفات صراع سياسي يومي. في مثل هذه اللحظة لا يكفي أن تكون الجالية كثيرة العدد، ولا يكفي أن تكون حاضرة في المناسبات والصور.
السؤال الحقيقي هو: هل لها وزن مدني وسياسي، أم أنها مجرد جمهور يعيش في السويد بجسده، ويعيش في الماضي بعقله؟
هنا يظهر مأزق ما يمكن تسميته جمعيات الحنين. جمعيات تقودها غالباً نوايا طيبة، لكنها تعيش على الذاكرة أكثر مما تحتكم إلى العقل. تنظم حفلات، ترفع الأعلام، تستعيد الأغاني، وتربي الأجيال على حب وطن ربما لن يعودوا للعيش فيه أبداً.
بل إن تلك الذاكرة نفسها لم تعد تعني الكثير حتى داخل الوطن الأم، لأن الناس هناك مشغولون بغلاء الحياة، والعمل، والهجرة، والنجاة اليومية، ولم يعودوا يملكون ترف الوقوف طويلاً أمام حنين المهاجرين.
ليست المشكلة في حب الوطن الأول، ولا في حفظ اللغة والتراث. المشكلة أن يتحول الماضي إلى برنامج عمل، وأن تصبح الجمعية متحفاً صغيراً لذاكرة مثالية، لا مدرسة للمواطنة والفعل.
الأبناء يكبرون في السويد، يدرسون في مدارسها، سيدفعون ضرائبها، وسيواجهون قوانينها وخطابها السياسي، لكن جمعيات الحنين لا تمنحهم أدوات فهم هذا المجتمع. تمنحهم أغنية قديمة، لكنها لا تعلّمهم كيف يقرأون برنامج حزب. تمنحهم علماً يرفعونه في قاعة، لكنها لا تعلّمهم كيف يرفعون صوتهم في البلدية.
والأخطر أن كثيراً من هذه الجمعيات تخاف من السياسة، كأن السياسة شيء خارجي لا علاقة له بحياة الناس. لكنها دخلت البيوت منذ زمن: في قوانين الإقامة، وفي شروط لمّ الشمل، وفي سوق العمل، وفي المدرسة، وفي صورة الأجنبي في الإعلام.
من لا يدخل السياسة مواطناً، تدخل السياسة حياته كقرار فوقي.
الصمت ليس حياداً
بعد أربع سنوات عجاف في ظل صعود خطاب اليمين، لم يعد الصمت حياداً. الصمت أصبح تنازلاً ناعماً عن الحق في التأثير. فحين لا تتكلم الجالية، يتكلم الآخرون باسمها. وحين لا تنظم أصواتها، تصبح مجرد مادة انتخابية: يُخاف منها، أو يُخاف عليها، أو تُستعمل في خطابات الأحزاب، لكنها لا تفرض شروطها.
الانتخابات المقبلة ليست مناسبة عابرة. إنها اختبار لجمعيات المهاجرين: هل ستبقى قاعات للحنين، أم تتحول إلى مؤسسات مدنية تسأل الأحزاب، وتقرأ البرامج، وتنظم المناظرات، وتشرح للشباب معنى التصويت، وتربط الهوية بالمسؤولية لا بالبكاء على الماضي؟
الحنين لا يوقف قانوناً. والأغنية لا تحمي إقامة. والصورة الجماعية لا تصنع نفوذاً. والذاكرة وحدها لا تبني مستقبلاً.
جمعيات المهاجرين في السويد أمام سؤال قاسٍ: هل تريد أن تكون حارسة لوطن غادره أبناؤها، أم عقلاً مدنياً يساعدهم على صناعة مكانهم في الوطن الذي سيعيشون فيه؟
د. العيد بوعكاز