المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: شهدت الساحة السياسية الدولية مشهداً غير مألوف في العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها، حين تصاعدت المشادة الكلامية بين الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ونائبه من جهة، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من جهة أخرى. لم تكن هذه الحادثة مجرد خلاف دبلوماسي، بل تعبيراً صارخاً عن تحولات جذرية تضرب بنية النظام العالمي، حيث تتآكل التحالفات التقليدية، وتبرز قوى جديدة تعيد رسم توازن القوى الدولية.

منذ صعود ترامب إلى المشهد السياسي، أحدث زلزالاً في العلاقات الدولية، مفضلاً النزعة الأحادية على الدبلوماسية التقليدية، ومتعمداً هدم أسس التحالفات القديمة التي بنيت عليها قوة الغرب منذ الحرب العالمية الثانية. تعامله الفج مع زيلينسكي، وإهانته العلنية له، ليس مجرد تصرف فردي عابر، بل انعكاس لفلسفته السياسية القائمة على معادلة “الربح والخسارة” في العلاقات الدولية، بعيداً عن المفاهيم الكلاسيكية للشراكة والتحالف.

إن الخطاب التوبيخي الذي صدر عن ترامب يعكس رؤية جديدة تقوم على نزعة قومية انعزالية تعيد تعريف العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم الحر، بل وتضع أوروبا في مأزق استراتيجي غير مسبوق. فمنذ نهاية الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة تمثل ركيزة الاستقرار للنظام الليبرالي الدولي، لكن مع جنوح القيادة الأمريكية نحو الاضطراب وعدم الالتزام، يجد الحلفاء أنفسهم أمام خيار صعب: إما استمرار الارتهان لسياسات غير مستقرة، أو البحث عن بدائل استراتيجية تعيد التوازن للمشهد الدولي.

لم يعد بإمكان أوروبا أن تعتمد على واشنطن كمصدر أوحد للأمن والاستقرار. لقد بات من الضروري إعادة التفكير في مفهوم “العالم الحر”، الذي لم يعد حكراً على الغرب بحدوده التقليدية. فبينما كانت الولايات المتحدة في الماضي تمثل قائداً لهذا العالم، فإن سلوكيات ترامب قد دفعت أوروبا إلى البحث عن استقلالية استراتيجية، سواء عبر تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية، أو عبر إعادة صياغة علاقاتها مع الأقطاب الدولية الأخرى.

إعادة هيكلة النظام العالمي

في هذا السياق، يبرز دور الصين كلاعب محوري في التوازنات الدولية، ليس فقط كقوة اقتصادية صاعدة، بل أيضاً كفاعل سياسي قادر على تقديم مقاربات جديدة لعالم ما بعد الأحادية الأمريكية. ورغم أن الصين لا تنتمي إلى “العالم الحر” بالمفهوم الغربي، فإنها تمثل قوة لا يمكن تجاهلها في إعادة تشكيل النظام الدولي. فالعالم لم يعد قائماً على ثنائية واضحة بين الحرية والاستبداد، بل بات فضاءً معقداً تتداخل فيه المصالح، وتتغير فيه التحالفات وفق الضرورات الاقتصادية والجيوسياسية.

ترامب، بجنونه السياسي، لا يهدم فقط التحالفات التقليدية، بل يدفع أيضاً نحو إعادة هيكلة النظام العالمي. إن تقاربه المتزايد مع روسيا، والذي يأتي على حساب الحلفاء التقليديين، يعكس اتجاهاً نحو تفكيك “العالم الحر” كما عرفناه لعقود. وإذا استمر هذا النهج، فإن أوروبا، بل والعالم بأسره، سيجد نفسه أمام مرحلة جديدة من العلاقات الدولية، حيث لم يعد بالإمكان الاعتماد على اليقينيات القديمة.

إن العالم لا يمكنه أن يبقى متفرجاً أمام هذه التحولات. فالتاريخ يعلمنا أن التغيرات الكبرى لا تنتظر أحداً، ومن يتردد في التكيف معها يجد نفسه خارج سياقها. على أوروبا أن تدرك أن المستقبل لن يكون رهينة لقرارات فردية تصدر من واشنطن، بل هو مشروع يجب أن يُبنى بإرادة سياسية مستقلة، و علاقات دولية متوازنة تعكس مصالحها الحقيقية، وليس مجرد التبعية لقرارات متهورة تصدر من البيت الأبيض.

إن النظام الدولي ليس ثابتاً، بل هو في حالة تغير دائم. وإذا كان ترامب قد ساهم في تعجيل انهيار الترتيبات القديمة، فإن السؤال الأهم هو: من سيبني البديل؟ هل ستكون أوروبا قادرة على تشكيل قطب مستقل ومتزن؟ هل ستتمكن الصين من لعب دور في خلق توازن عالمي جديد؟ أم أن العالم الحر سيتحول إلى مجرد مصطلح مفرغ من مضمونه في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة؟

الأكيد أن جنون ترامب لم يكن مجرد استثناء، بل علامة فارقة في مسار التحولات العالمية. والتاريخ لن ينتظر المترددين، بل سيكافئ من يمتلكون الجرأة على إعادة رسم ملامح المستقبل.

كاوا العيسى