المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: عندما نتأمل تاريخ الحرب العالمية الثانية ندرك أن تحرير أوروبا من النازية لم يكن إنجازاً أوروبياً خالصاً كما تُقدمه بعض السرديات التاريخية المختصرة. فالقارة التي واجهت نظام أدولف هتلر لم تقف وحدها في تلك المعركة الوجودية، بل قاتل إلى جانبها مئات الآلاف من الجنود القادمين من خارجها، وخاصة من شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء، ضمن جيوش القوى الاستعمارية الأوروبية.
في حالة فرنسا مثلاً، كان سقوط باريس العام 1940 نقطة تحول كبرى. وعندما دعا شارل ديغول إلى مواصلة المقاومة، لم يكن يعتمد فقط على الفرنسيين داخل أوروبا، بل على الإمبراطورية الاستعمارية الواسعة التي امتدت عبر إفريقيا. من الجزائر والمغرب وتونس والسنغال وتشاد وبلدان أخرى، جاء عشرات الآلاف من الجنود الذين شاركوا في المعارك التي أعادت لفرنسا قدرتها العسكرية، وساهموا لاحقاً في تحرير الأراضي الأوروبية نفسها.
كانت تلك لحظة تاريخية تحمل مفارقة عميقة: جنود من بلدان خاضعة للاستعمار يقاتلون من أجل تحرير أوروبا من الاحتلال، بينما كانت بلدانهم نفسها تحت حكم استعماري. لقد دفع كثير منهم حياتهم في معارك لم تكن على أرضهم، لكن تضحياتهم أصبحت جزءاً من النهاية التاريخية للنظام النازي في أوروبا.
من الذاكرة التاريخية إلى واقع اليوم
اليوم، القارة نفسها التي احتاجت إلى هذا التضامن العالمي في الماضي تواجه تحديات داخلية معقدة تتعلق بالهجرة والهوية. في العديد من الدول الأوروبية، هناك سياسات تضييق على الإقامات والجنسية، وتشديد على حقوق المهاجرين، مع تصور أن هذا يحمي الأمن أو الثقافة. في السويد، على سبيل المثال، دعت هيئة الدفاع المدني السويدية المواطنين إلى الاستعداد لاحتمال أزمات أو صراعات طويلة قد تمتد لسنوات.
هذه السياسات تعكس مفارقة جديدة: أوروبا اليوم تحصر فرص المهاجرين رغم أن التاريخ يُظهر أن قدرتها على الدفاع عن نفسها في الحرب العالمية الثانية كانت تعتمد على الموارد البشرية القادمة من خارجها. السؤال الذي يفرض نفسه: إذا اضطرت أوروبا في المستقبل لمواجهة تهديد عسكري أو أمني، فمن سيحميها إذا ضيقت على التنوع البشري الذي كانت تعتمد عليه في الماضي؟
التحدي الاستراتيجي الأوروبي
التاريخ يعلمنا أن القوة لا تُقاس بالحدود أو بالأسلحة وحدها، بل بقدرة المجتمع على تعبئة الموارد البشرية داخلياً وخارجياً، وبقدرته على بناء شبكات تحالفات ودعم عالمي. تجربة الحرب العالمية الثانية أظهرت أن الصراعات الكبرى تحتاج إلى تضامن عالمي، وتنوع بشري واستراتيجي.
استحضار هذه الذاكرة ليس مجرد رجوع للماضي، بل تذكير بأن أوروبا لا يمكنها أن تعيش بمعزل عن العالم. وإذا كانت الذاكرة التاريخية القصيرة قد أعطت الأوروبيين صورة مزيفة عن استقلالهم في الماضي، فإن تجاهل التنوع البشري اليوم قد يكون أخطر، ويضع القارة في مواجهة سؤال كبير: إذا كانت أوروبا قد احتاجت إلى تضحيات مئات الآلاف من أبناء المستعمرات لتحرير نفسها في القرن العشرين، فمن سيقف اليوم للدفاع عنها إذا تكرر تهديد عالمي أو حرب؟
التاريخ لا يقدم إجابات جاهزة، لكنه يذكّر دائماً بأن القوة الحقيقية لأي مجتمع تكمن في استيعاب ماضيه، وتقدير كل موارد القوة البشرية، الاجتماعية، والسياسية التي يمتلكها.
د. العيد بوعكاز