المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: المِرآة لا تكذب، لكن قد تنكسر الشخصيات المُنعكسة على صفحتها إذا خشي أصحابها الوقوف أمامها طويلًا. وكذلك الأوطان؛ فهي تحتاج، بين الحين والآخر، إلى لحظات مصارحة مع الذات، لا لتجلد نفسها، ولا لتتنكر لإنجازاتها، بل لتتأمل واقعها بعين الناقد البصير صاحب المسؤولية، فتُصلح مواضع الخلل قبل أن تتسع شروخها.
واليوم، تقف السويد أمام مِرآتها؛ ليس فقط لأنها مقبلة على انتخابات برلمانية في سبتمبر 2026، بل لأنها تمر بمرحلة تتقاطع فيها أسئلة الأمن، والاندماج، والهوية، ودولة الرفاه، والثقة المجتمعية المُتبادلة. وهذه ليست قضايا تخص الأحزاب وحدها، بل تمس المجتمع بأسره، بكل من يعيش على أرضه، مهما اختلفت أصولهم أو قناعاتهم أو توجهاتهم السياسية.
السويد وبناء الثقة
وعلى امتداد عقود، شكّلت السويد نموذجًا لدولة استطاعت أن تجمع بين أصالة الديمقراطية، وكفاءة المؤسسات، ومجتمع الرفاه، والانفتاح على العالم، مع الحفاظ على قدرٍ عالٍ من التماسك الاجتماعي. ولم يكن ذلك وليد الصدفة، بل قام على ركيزة أساسية قلّما تحظى بالاهتمام الذي تستحقه؛ إنها الثقة. ثقة المواطن بالنظام، وثقة الدولة بالمواطن، وثقة عامة الناس بعضهم ببعض.
غير أن ما طرأ في الآونة الأخيرة من تحديات لا يمكن تجاهله؛ فقد تغير المزاج العام، وتصاعد الجدل حول الهجرة والاندماج، وازدادت المخاوف من الآخر، وواجه الاقتصاد وسوق العمل ضغوطًا متزايدة، كما ألقت التحولات الإقليمية والدولية بظلالها على الداخل السويدي. وفي موازاة ذلك، شعر كثير من المواطنين بأن وتيرة التغيير أصبحت أسرع من قدرة بعض المؤسسات على الاستجابة أو المُعالجة المناسبة، وأن بعض القيم التي قامت عليها التجربة السويدية، وفي مقدمتها الثقة والتوازن الاجتماعي، أصبحت تواجه اختبارًا حقيقيًا.
الاستقطاب وملفاته الساخنة
لهذا، لا تبدو الانتخابات المقبلة مجرد منافسة على تشكيل حكومة جديدة، بل محطة يتأمل فيها المجتمع اتجاهه المقبل. فالتقارب بين الكتل السياسية لا يعكس تنافسًا انتخابيًا فحسب، بل يكشف أيضًا عن تغير في أولويات الناخبين الذين يبحثون عن سياسات أكثر قدرة على تعزيز الأمن، وتحسين الاندماج، والحفاظ على استدامة دولة الرفاه، مع ضرورة حماية رفاهية المجتمع من الضغوط المالية والديموغرافية، دون التفريط في القيم التي ميّزت السويد طويلًا، أو الانزلاق نحو مسارٍ يُضعف الإحساس بالمساواة ويختزل الإنسان في خلفيته أو في أصله.
وفي خضم هذا الحراك السياسي الذي تعيشه السويد تأهباً لانتخابات سبتمبر 2026، تتجلى “الأنا العليا الجمعية” لمجتمع متعدد الأصول والثقافات كساحة معركة نفسية وسياسية حادة؛ حيث تتصارع على هويتها منظومات قيمية متباينة تتقاذفها خطابات اليمين واليسار.
فبينما يستميت معسكر اليسار والمعارضة، وعلى رأسه الحزب الاشتراكي الديمقراطي، في استدعاء الأنا العليا الكلاسيكية لنموذج السويد التضامني، مستنداً إلى تقدمه في استطلاعات الرأي ليوّقظ الضمير الأخلاقي المشترك تجاه الآخر وضد سياسات الإقصاء، ومُدافعاً عن إرث دولة الرفاه والاعتراف بالآخر كشريك كامل الحقوق، رغم ميوله أحياناً لتكتيكات اليمين تماشياً مع بعض الهواجس، تتحرك كتلة اليمين الحاكمة المستندة إلى “اتفاق تيدو” متأثرة بضغوطات حزب ديمقراطيي السويد اليميني نحو إعادة صياغة هذا الضمير الجمعي ليصبح لدى البعض “أنا عليا انعزالية، حمائية، متوجسة من الآخر”.
ومن خلال هذا المنظور اليميني، يُعاد تعريف “الفضيلة الأخلاقية” من خلال تشديد القوانين بحجة حماية الذات الوطنية، مع تبرير استغلال ملف الآخر (ذوي الأصول المهاجرة) سياسياً، وتصويره كعبء اقتصادي وثقافي ثقيل أو مهدد أمني يجب التخلص من تبعاته لحفظ بقاء المجتمع على صورته الأولى.
وبين هذين التكتلين، ستعيد صناديق الاقتراع السويدية القادمة ترسيم حدود النفسية الجمعية؛ لتحدد ما إذا كان الضمير المشترك سينتصر لإرثه الإنساني الكوني، أم سيرتد نحو “هو” عرقي وقبلي يُشرعن الإقصاء تحت لافتة المصلحة الوطنية العليا.
هذا السجال المفاهيمي لم يعد حبيس الرؤى الأيديولوجية الفلسفية، بل تغلغل كوقود حيوي يحرك ماكينات الدعاية الانتخابية في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن والمقيم على حد سواء؛ حيث يتقاطع قلق الهوية وأمن الحدود والجريمة المنظمة، مع أزمات التضخم وضغوط السكن وتحديات الرعاية الصحية والتعليم وسوق العمل، خاصة في المناطق المهمشة، وسط اتهامات متبادلة حول المتسبب في تراجع بريق “النموذج السويدي” الشهير.
التنوع وسيكولوجية الحوار
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اختلاف البرامج، بل في تحول الاختلاف السياسي إلى استقطاب اجتماعي ونفسي؛ فعندما يصبح الحوار ساحة لتبادل الاتهامات، ويتراجع الإنصات لصالح التصنيف، تبدأ الثقة في التآكل، ويغدو كل طرف أكثر ميلًا إلى رؤية الجزء الذي يؤكد قناعته، لا الصورة الكاملة للمشهد.
وهنا يبرز سؤال يتجاوز السياسة ذاتها، كيف يمكن لمجتمع ديمقراطي أن يناقش قضاياه الكبرى بجرأة، من دون أن يفقد ثقته بنفسه أو احترامه لتنوعه؟ فالمجتمعات ذات الثقة العالية هي الأقل كلفة في الإدارة، والأكثر قدرة على التكيف، والأسرع تجاوزاً للأزمات. أما حين تتآكل الثقة، فتصبح القوانين أكثر صرامة، والسياسات أكثر انقسامًا، والمجتمع أقل قدرة على التفاهم والإنتاج.
ومن هنا، فإن النقاش الصريح والمسؤول حول قضايا الهوية والهجرة واستدامة الرفاه هو نقاش مستحق؛ لكن من المهم، في المقابل، ألا يتحول هذا النقاش إلى مصدر لانقسام دائم، أو إلى إحجام عن التصويت، أو إلى مبرر لتراجع الثقة التي كانت، وما تزال، أحد أهم عناصر قوة المجتمع السويدي.
المسؤولية وصمامات الأمان
وفي هذا السياق، تكتسب المشاركة في الانتخابات أهمية تتجاوز كونها حقًا دستوريًا؛ فهي مسؤولية مدنية تعكس حيوية المجتمع وإيمانه بالحرية والديمقراطية ومبادئ المواطنة والشورى. والإقبال على صناديق الاقتراع لا يعزز الثقة بالمؤسسات الديمقراطية فحسب، بل يضمن أن يكون مستقبل البلاد ثمرة لمشاركات إيجابية واسعة، لا رهينة عزوفٍ يُتيح للبعض رسمه دون مُراعاة لظروف وحقوق الآخرين وإن غابوا عن المشهد لسبب أو لآخر؛ فكل صوتٍ يُدلى به هو إسهام في رسم ملامح المرحلة المقبلة، وتأكيدٌ على أن الديمقراطية لا تزدهر بالمشاهدة، بل بالمشاركة الإيجابية الفعَّالة.
وهنا تبرز أدوات المجتمع المدني، والنقابات، والمؤسسات المحلية، ودور العبادة، والجامعات؛ فكلها تقوم بأدوارها المميزة والمهمَّة للغاية في إعادة التوازن عند تمايل السياسة أو اشتداد الاستقطاب. وفي كثير من الأحيان، تعمل هذه المؤسسات بهدوءٍ بعيدًا عن الأضواء، لكنها تحافظ على استمرارية التماسك الاجتماعي أكثر مما تفعله الشعارات السياسية.
إن البعض، وبحجة صهر الهويات في قالب “المعايير السويدية الشاملة”، على طريقة { مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ }، يتناسى أو يتجاهل أن هذا التضييق المفرط هو ذاتُ الوقود الحقيقي الذي يُعمّق مشاعر العزلة ويُغذي “الحراك الأسود” ويوسع دوائر “المجتمعات الموازية”؛ وهو ما ينبغي الانتباه له والحذر منه.
مِرآة التعافي والسلام
وفي نهاية المطاف، لن تقاس قيمة السويد وقوتها في سبتمبر 2026 بنتيجة الصناديق وحجم المقاعد التي ستحصدها هذه الكتلة أو تلك فحسب؛ بل بقدرة هذا المجتمع على الخروج من نفق الاستقطاب المُظلم أكثر تماسكًا.
إنَّ مواجهةَ كلٍّ منَّا لمِرآته بشجاعة، وإصلاح ما تعكسه من شروخٍ، لهي الضمانة الوحيدة للتعافي؛ ليبقى هذا الوطن بيتًا يتسع للجميع، يحمي إرثه الإنساني، ويصون كرامة من يعيش على أرضه وبين أحضانه؛ ويرى كل فرد في المجتمع نفسه جزءًا أصيلًا من الصورة الجمعية؛ حتى لا تنكسر المِرآة، وتضيع مع انكسارها ملامح وجه السويد الذي عُرِفت به أمام العالم.
طاهر أبوجبل