حرق المصحف وخيارنا العقلاني البديل

: 1/29/23, 6:08 AM
Updated: 1/29/23, 6:08 AM

المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – مقال رأي: ليست المرة الأولى التي يقوم بها راسموس بالودان بحرق المصحف، ولن تكون الأخيرة؛ مادام يجني من وراء فعله ردود الأفعال التي يريدها. سبق وأن فعلها بالودان في عام 2020م، وتم تجاهله حينها، ثم أعاد حرق المصحف مجددا وقوبل فعله بردود عنيفة نتج عنها إصابة مئة من عناصر الشرطة السويدية، وكنتيجة اعتقال العشرات من الشباب الذين راحوا ضحايا عمليات التحريض عبر الوسائل المختلفة. وتأتي عملية حرق المصحف الأخيرة لتؤكد أن الكثير لا ينظرون لعواقب أفعالهم، فيكررون الحملات نفسها التي تعود عليهم بالخسارة وعلى اليمين المتطرف بالفائدة. وما لم يستوعب هؤلاء خطورة الموقف فإن وضعنا في السويد قد يؤدي إلى سيناريوهات تعود عليهم بالمزيد من الخسارات.

حرية التعبير سلاح ذو حدين

لا شك أن هؤلاء الشباب يتسمون بنوايا وأفكار بحاجة إلى تصويب من زوايا مختلفة: قانونية ودينية وأخلاقية وحضارية؛ حتى لا يتم استعمالهم من قبل الجماعات الدينية المؤدلجة وجماعات الإسلام السياسي والدول التي تحاول تصوير نفسها حامية للإسلام مع أنها تدرك أن حرية التعبير عن الرأي- بالتظاهر وحرق الكتب، بما فيها كل الكتب والرموز الدينية – هي حق دستوري سواء اتفقنا مع هذا الحق أو اختلفنا معه.

لا شك أن من قاموا بأعمال العنف يستفيدون بدورهم من حق التعبير عن الرأي في جوانب مختلفة من حياتهم اليومية في السويد، وبالتأكيد هم يعارضون حق التعبير عن الرأي بحرق الكتب المقدسة، وهم ليسوا الوحيدين في هذا التوجه. آلاف السويديين يشاركونهم هذا الرفض، مثلما أن السياسيين السويديين يستهجنون حرق المصحف، كما عبر رئيس الوزراء السويدي ووزير خارجيته توبياس بيلستروم بقوله “إن الاستفزازات المعادية للإسلام مروعة”، لكنه أضاف، على تويتر، “إن السويد لديها حرية تعبير بعيدة المدى، وهذا لا يعني أن الحكومة أو أنا نفسي ندعم الآراء التي يتم التعبير عنها.”

الموقف الرافض نفسه عبر عنه نيد برايس، المتحدث باسم الخارجية الأميركية، في حديثه للصحفيين، قائلًا: “إن حرق كتب تعد مقدسة للكثيرين هو عمل مهين للغاية، وأضاف أنه أمر بغيض، واصفا الحادث أيضا بأنه مثير للاشمئزاز وكريه.” واعتبر برايس أن حرق المصحف هو “عمل شخص يهدف إلى الاستفزاز، وربما سعى عمدا إلى تباعد حليفين مقربين، في إشارة إلى تركيا والسويد.”

ويمكن هنا التوقف بالمقارنة بين هذا الموقف الحضاري الرافض والذي يتفهم طبيعة القانون السويدي ولا يسعى أو يدعو إلى تغييره، وبين موقف تركيا والدول العربية والإسلامية التي تريد للسويد أن تكون نسخة منها فتصادر الحريات وتكمم الأفواه!

حرية التعبير: القالب والمحتوى

حرق المصحف مستهجن، وإن تم هذا الفعل تحت نظر مؤسسات الدولة فهذا لأن القانون يكفل هذا الحق ومؤسسات الدولة ملزمة بتنفيذ القانون لا بالاستجابة لآراء السياسيين ورغبات الجمهور.

بعبارة أخرى: إن لحرية التعبير قالب قانوني ثابت يضم في محتواه بنودًا قد لا تروق الجميع، وبالتالي يمكن التعبير عن رفض حرق المصحف، أو غيره من الأفعال التي قد لا نتفق معها، وقد لا يمكن حذف هذا البند القانوني من الدستور السويدي والدساتير الأوروبية، لكن يمكن بسهولة وقف تنفيذه وذلك بالتعاطي الحضاري معه حين ندرك أن ردود الأفعال الغاضبة هي ورقة رابحة بيد اليمين المتطرف. ولكي تحرم بالودان وغيره من استعمالك أداة لتحقيق أجنداته عليك أن تقابل فعله بعقلانية تتوافق مع القانون السويدي- فتثبت أنك قادر على الاندماج واحترام القانون وحرية التعبير.

يمكن وصف حرق المصحف بأنه لا يمت لحرية التعبير بصلة، لكنه من منظور سويدي وأوروبي حق يكفله القانون والدستور تحت بند “حرية التعبير”، ولا يتحول هذا الحق إلى مفسدة إلا من خلال ردود الأفعال التي لها أن تحول المفسدة إلى مصلحة حين تقابله بالتجاهل، وبالتالي سيتوقف بالودان وغيره عن حرق المصحف؛ لأنه لن يعود ورقة رابحة بيده، وحتى لو استمر في فعله فإنه لن يجني من ورائه فائدة أو يحقق هدفًا أو يثبت ادعاءً.

لكي لا تكون ورقة رابحة بيد التطرف

التحريض يضر بالعرب والمسلمين في السويد في الوقت الذي يستفيد منه اليمين السويدي المتطرف في زيادة شعبيته؛ وقد أثبتت الانتخابات السابقة ذلك. كما أن ردود الأفعال الغاضبة والعنيفة تعطي صورة سلبية عن المسلمين وتحرم بالتالي الآلاف من حق اللجوء وتنعكس ردود الأفعال العنيفة في السياسات الصارمة المتعلقة بالهجرة وتشديد إجراءات اللجوء والإندماج. والنتيجة أن التطرف الإسلامي يستفيد منه نظيره السويدي، والخاسر في هذه المعركة هم العرب والمسلمين داخل السويد وخارجها.

لا يمكن لمنطق القوة والعنف أن يؤدي إلى نتائج إيجابية في دول تسعى للتغير عبر الآليات السلمية. وقد سبق أن فشلت كل الحملات والمقاطعات السابقة في الدنمارك وفرنسا وغيرهما من الدول. ستنتهي المظاهرات والحملات وما سيتبقى هو موقف المسلمين السويدين في ذاكرة الشعب السويدي وذاكرة السياسيين السويديين الذين سيحددون طريقة تعاملهم في المستقبل: هل أثبتنا أننا نقبل الاندماج وأننا جزء من هذا البلد وعندنا قدرة على فهم آلية صناعة القرار في السويد أم لا؟

لماذا يحرقون القرآن؟

إذا تأملنا حقيقة حرق المصحف سنجد أنه لا يضر بالقرآن ولا يمس من قداسته، وبالوسع الاستشهاد بأعمال مشابهة عبر التاريخ لم يعد لها من أثر إلا في النتيجة التي حققتها في حينها، وعلينا أن نتعلم من التاريخ بأن لا نكرره.

ثمة أهداف من وراء حرق المصحف، من بينها إثبات أن المسلمين خطر على الديمقراطية وحرية التعبير وأنهم لا يلتزمون بالقوانين، وأنهم مسلمون أكثر من كونهم مواطنين سويديين، وبالتالي فإن انتماؤهم للدين أقوى من انتمائهم للمواطنة. الهدف البعيد من وراء هذا الاستفزاز اليميني هو وضع قوانين جديدة أو تشديد الإجراءات بما يحول دون قبول المزيد من طلبات اللجوء إلى غيرها من أجندات اليمين المتطرف المتعلقة أيضاً بالإندماج القسري.

لكن بغض النظر عن مناسبة الحرق، لا ينبغي أن يقابل العمل الأحمق بعمل أشد حماقة إلا إذا أردنا للاستفزاز أن يستمر ويجني الطرف المستفِز فوائد من وراء فعله. علينا أن نسأل: لماذا لا يحرقون الكتب المقدسة الأخرى؟! والأهم أن نسأل: كيف نوقف حرق القرآن؟ والجواب: أن نتعامل بشكل عقلاني وحضاري وقانوني وأخلاقي. من المهم أن نسأل: هل نحن مسلمون أم مواطنين سويديين؟ وكيف يمكن الجمع بين الهويتين دون خسائر؟ بل كيف يمكن الجمع بين الهويتين مع تحقيق مكاسب للسويد ولنا كمواطنين سويديين مسلمين.

سيناريوهات متوقعة

إلى أين يمكن أن تؤدي حملات العنف والغضب الإسلامية داخل السويد؟

لدينا نموذج لمثل هذه الحملات ماثل في الدنمارك. لم تُثمر حملات مقاطعة الدنمارك شيئًا؛ فمازالت الدنمارك من أقوى اقتصادات العالم ومن أكثر البلدان رفاهية. ما تغير في الدنمارك هو سياسة الهجرة وتعقيد إجراءاتها، وقبول طلبات لجوء أقل من السابق، كما تغيرت سياسة الاندماج: من الاندماج الثقافي الطوعي إلى الاندماج القسري، إلى غيرها من الخسارات التي تدفع ثمنها الحالات الإنسانية التي كان لها أن تجد مكانًا في الدنمارك لولا الحملات التي مارسها ويمارسها المتطرفون الإسلاميون هناك كلما صدر فعل مستفز من قبل اليمين المتطرف.

ومع الإصرار على تكرار حملات المقاطعة ورفض حرية التعبير وعدم الامتثال للقانون من المتوقع أن تزداد شعبية اليمين المتطرف، وسيدفع الثمن الأجانب المقيمين في السويد الذين لا يحملون إقامات أو الذين لم يحصلوا على الجنسية بعد، كما ستطال حملات الكراهية جميع الأجانب، وقد يُطبق نموذج الدنمارك في السويد من خلال سياسة إدماج أشد صرامة وخسارة الامتيازات الثقافية كالتعليم الديني وغيره.

السيناريو العقلاني البديل هو أن يكون للعقلاء المسلمين في السويد موقف حاسم وموحد مما يحدث وذلك برفض هذه الحملات ضد السويد، والتصريح بدلًا من ذلك بانتمائهم للسويد واحترامهم لدستورها وأن يقدموا صورة حضارية واضحة، وبهذا فقط يمكن تفويت الفرصة عن اليمين المتطرف.

ينبغي التفريق بين بالودان كفرد والسويد كدولة مؤسسات: ما قام به بالودان هو عمل فردي يسمح به قانون الدولة ودستورها مثلما يقر الدستور نفسه الحريات والامتيازات التي ينعم بها المسلمون السويديون. والبديل لهذا المجتمع الحر والمنفتح هو استحداث “قانون ازدراء الأديان” المعمول به في كثير من الدول العربية والذي من خلاله تُصادر الحريات وتكمم الأفواه وتُعتقل الأقلام. وهذا سيناريو مستحيل في دولة يقدس دستورها ومجتمعها ومؤسساتها حرية التعبير ويضعها في منزلة أعلى من أي مقدس. مع التأكيد أن هذا التقديس للحريات لا يصادر بقية المقدسات بل ويرعاها ويحميها خلافًا للسيناريو البديل الذي تدعو له الحملات الإسلامية التي تهدف إلى استبدال مجتمع الحريات السويدي بمجتمع شمولي يصادر كل الحريات باسم الدفاع عن المقدسات.

الحقوق محفوظة: عند النقل أو الاستخدام يرجى ذكر المصدر

الكومبس © 2023. All rights reserved