Lazyload image ...

المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: حرق المصحف من قبل الدنماركي السويدي راسموس بالودان لا يأتي في سياق حوار الأديان أو نقد للإسلام كدين، وإنما في سياق سياسي عنصري يستهدف المسلمين وغير المسلمين من ذوي الخلفيات المهاجرة على حد سواء. فاليميني المتطرف بالودان ليس ريتشارد دوكنز المهتم والمختص بنقد الأديان وتسخيفها. لكن هل يمكن قانونيًا تصنيف حرق المصحف بهذا السياق على أنه خطاب كراهية وليس حرية تعبير؟ 

أخاف أن تكون الإجابة: “قطعاً لا!”، سواءً في هذا الموضوع أو غيره فالقانون يعاقب بناءً على أدلة لا تقبل الشك وليس بناءً على استنتاجات مهما بدت منطقية وواضحة للكثيرين؛ لا يعاقب القانون على النوايا ولا على الذوق الرديء.  

في حين أن غالبية الناس سواء من السويديين أو من المهاجرين منشغلين بقضايا حياتهم اليومية والمهنية أو العائلية، إلا أن هناك حالة استقطاب كبيرة في هذا الخصوص تسعى لخلق مجتمع “نحن وهم”. على أحد الطرفين هناك اليمين المتطرف الذي يسعى جاهداً لخلق فكرة أن الهجرة تهديد للمجتمع السويدي وقيمه الديمقراطية؛ وبالتالي يستغل كل فرصة للظهور وتأكيد أن “الآخرين” هم الخطر الذي يجب الانتباه له، كنتيجة لذلك يحقق الكثير من المكاسب السياسية.  

على الطرف الآخر هناك الكثير من الذين يسعون بشكل مماثل لعزل المهاجرين عن المجتمع المحيط بهم ونشر أفكار على أن “الآخر- السويد ومؤسسات الدولة في هذه الحالة” سيئ، عنصري ويتربص بنا. هذان الطرفان – وإن كانا متناقضين – يكرهان بعضهما البعض إلا أن وجود ونجاح أحدهما مرتبط بوجود ونجاح الآخر، كلاهما يعيش ويتغذى على الإنقسام. كل من اليمين السويدي المتطرف أو القوى الدينية والقومية في أوساط المهاجرين عاجزين عن تحقيق أي نجاح سياسي أو سلطة اجتماعية إذا كان الجميع فعلا مندمجين – رغم اختلافاتهم العرقية والدينية والسياسية والثقافية واللغوية – تحت مظلة القانون وقيم التسامح وتقبل الآخر. 

في قصة حرق المصحف نجد مثالاً واضحاً على حالة الاستقطاب التي يتم توسيعها، نجد متطرف يميني يقوم بحرق المصحف لأجل استفزاز ردة فعل معينة تؤكد رسالة الكراهية التي يحملها، نجد على الطرف الآخر أيضا الكثيرين ممن يستغلون هذا الفعل من أجل نشر فكرة “أننا لا ننتمي لهذا المجتمع” وأن المجتمع السويدي ومؤسسات الدولة هي العدو الذي يريد بنا شراً وأن “لا ملاذ لنا سوى أن نتكتل تحت مظلتهم لأجل حمايتنا”. ذهب البعض إلى إطلاق وعود بتغيير القانون والدستور السويدي في حال تم التصويت لهم في الانتخابات القادمة، دون التطرق لتعقيدات الموضوع ودون شرح لكيفية سيتم ذلك؟ 

لنقرأ الأحداث بسياقها الحقيقي بعيداً عن حالة الاستقطاب هذه، لكن قبل ذلك فلنستحضر قصة من التاريخ الأمريكي، قصة الصحفي ورجل الأعمال لاري فلنت مؤسس المجلة الإباحية “هستلر”. في سبعينات القرن الماضي في الولايات المتحدة الأميركية، نشر لاري في مجلته محتوى مسيء بشدة لشخصيات دينية مهمة كالسيد المسيح ومريم العذراء وبابا نويل وغيرهم بأوضاع جنسية وعلى رموز دينية كالصليب وغيره. لم يكتف بذلك، بل قام باختيار أحد أكبر الشخصيات الدينية في أمريكا آنذاك وأكثرها تأثيرًا ونشر عنه رسمة (وكأنه يمارس الجنس مع أمه!). أعمال لاري فلنت استفزت مشاعر المتدينين وغير المتدينين بكثرة، فرُفعت عليه العديد من القضايا انتهت بالمحكمة الدستورية العليا. عبّر آنذاك المحامي الموكل للدفاع عن لاري عن عدم إعجابه بتصرفات موكله وذوقه السيئ والمستفز، لكنه كان مصرًا على أن القضاء القادر على حماية جميع الناس، بغض النظر عن آرائهم وشخصياتهم، هو قضاء لدولة ديمقراطية. واستطرد: “أن حرية التعبير يجب أن تكون حقا حتى لأناس مستفزين وقذرين ومستهترين” – حسب وصفه – أي مثل لاري فلنت، ويكمل: “أن الناس الذين تستفزهم آراء وأساليب البعض يجب أن يتعلموا التعامل مع مشاعرهم بدلا من محاولة إسكات الآخرين”. وأخيرًا، جاء حكم المحكمة بعد ذلك بخلاصة مفادها: “أن حرية التعبير لا تشترط قبول المجتمع وموافقته عما يتم التعبير عنه، كما أن اختيار طريقة التعبير هو موضوع يتعلق بالذوق ولا علاقة للدولة بتحديد وتقييم أذواق الناس.” 

كانت هذه واحدة من قصص كثيرة التي شهدت فيها المجتمعات الغربية إهانات لرموز دينية وإجتماعية كبيرة، يكفي أن تبحث على محرك البحث غوغل لتجد العشرات من الأفلام المسيئة للمقدسات المسيحية وغيرها من الأديان والتي عرضت رغم ذلك في أشهر دور السينما في العالم تحت مظلة “حرية التعبير”، كنوع من التأكيد على أن هذه الحرية ليست حكراً على أحد. فحتى الحمقى – حسب تصريح رئيسة الوزراء السويدية – يستطيعون التعبير عن رأيهم بحرية.  

لا شك أن الطريقة التي حرق بها المصحف في السويد لها خصوصية مختلفة عن هذه القصص، ببساطة لأن المسلمون هنا أقلية تتعرض للاستهداف من قبل اليمين المتطرف في السويد. كما يبدو واضحاً بالنسبة للكثيرين لم يهدف بالدون بهذا العمل إلى نقد الدين كفكرة بحد ذاتها وإنما إلى استفزاز المسلمين وإثارة مشاعرهم لنقل صورة نمطية عنهم تحقق له مكاسب سياسية وتعزز ثقافة “نحن وهم”. اختياره أماكن معينة للقيام بتظاهرات تظهر سياق عنصري وموجّه سياسياً. لكن ما علاقة الشرطة ومؤسسات الدولة بذلك؟ هل وجدت قوانين حرية التعبير فقط لاستهداف المسلمين دون غيرهم؟ هل كان يجب منعه من حرق المصحف؟ هل ما قام به يصنف قانونياً كحرية تعبير وبالتالي يجب حمايته؟  أم كخطاب كراهية يجب منعه ومعاقبته على ذلك؟ 

حرية التعبير وحرية الصحافة فقرتين من أصل أربع فقرات يتكون منها الدستور السويدي، ويقصد بها حق الإنسان في النقد أو الاعتراض على أية فكرة أو إيديولوجيا، وإبداء أي رأي بالطريقة التي يراها الفرد مناسبة، طالما هي آراء وليست أفعال، وتخص معتقدات وليس المؤمنين بالمعتقد بها. حرية التعبير لا تجب فقط أن تكون بناءة أو حضارية أو مناسبة لذوق المجتمع وعاداته ومشاعره، كما لاحظنا في قصة لاري فلنت مثلاً. لذلك أعتقد شخصياً أن أي محاولات لتجريم حرق المصحف أو المساس بالمعتقدات الدينية سيبوء بالفشل في السويد وهو إن لم يكن مستحيلا فهو شبه مستحيل لأسباب قانونية ودستورية ذات تعقيدات يعرفها المختصون، وأخشى أن هذه الأعمال المستفزة ستستمر وبحماية الدستور والقانون. الدستور نفسه الذي يضمن حرية التدين وحرية الدعوة لأي دين. 

هنا سيكون السؤال الأهم الذي يمكن طرحه؛ بدلاً من تعليق الآمال على وعود كاذبة وغير قابلة للتنفيذ، ما هي الأساليب التي يمكن اتباعها للاعتراض على الاستفزازات التي يتعرض لها الناس في المستقبل؟ كيف نتجنب أن نكون صيداً سهلاً لألاعيب السياسة فلا نكرس ردَّات أفعالنا لتحقيق مكاسب سياسية لليمين المتطرف ولا لأولئك الذين يتاجرون بالدين وبمشاعر الناس لتحقيق مكاسب سياسية؟ كيف يمكننا تقبل حرية التعبير بكل تبعاتها والعيش تحت ظلها، بل والاستفادة من الفرص الكثيرة التي توفرها لنا أيضًا كأفراد وجماعات؟ 

بقلم: أنور العقاب

الحقوق محفوظة: عند النقل أو الاستخدام يرجى ذكر المصدر

Related Posts