المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: بدأ الأمر بمنشور محلي صغير في إحدى البلديات السويدية.
لكن الرسالة التي حملها كانت أكبر من حدود المدينة نفسها.
“أوقفوا الخدمات الاجتماعية عن سحب أطفالكم.”
كُتبت العبارة بعدة لغات، بينها العربية والصومالية والألبانية، قبل أن تنفجر موجة جديدة من الجدل داخل السويد. فجأة، وجدت البلاد نفسها أمام مفارقة صادمة: الرواية نفسها التي وصفتها المؤسسات السويدية طوال سنوات بأنها “حملة تضليل ممنهجة” عادت اليوم، ولكن هذه المرة من داخل الخطاب السياسي الرسمي نفسه.
بعد أن كشفت قناة Tv4 الإخبارية السويدية قيام ممثلين محليين عن حزب SD الشعبوي بتوزيع منشورات تحذر العائلات من أن الخدمات الاجتماعية “تأخذ الأطفال”، جاءت ردود الفعل غاضبة من باحثين وخبراء ومسؤولين اجتماعيين. حتى بعض المتخصصين في قضايا التطرف والإرهاب وصفوا الخطاب بأنه “تحريضي ومثير للذعر”، محذرين من أنه يعيد إنتاج السردية نفسها التي غذّت حملة التضليل المتعلقة بقانون رعاية الأطفال في السويد.
ومن الصعب التقليل من حجم الضرر الذي تسببت به تلك الحملة خلال السنوات الماضية.
ففي أجزاء واسعة من العالم العربي، جرى تصوير السويد على أنها دولة “تختطف أطفال المسلمين”. امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بخطب ومقاطع فيديو وقصص تزعم أن الدولة السويدية تشن حرباً على العائلات المسلمة وتسعى إلى انتزاع الأطفال من هويتهم ودينهم.
وحينها، حاولت السلطات السويدية بشتى الطرق استعادة الثقة المفقودة. دبلوماسيون وصحفيون وخبراء وصفوا ما جرى بأنه واحدة من أكبر موجات التضليل الإعلامي التي استهدفت صورة السويد الحديثة.
لهذا تبدو الحادثة الأخيرة أخطر بكثير من مجرد منشور انتخابي عابر.
لأن القضية لم تعد مرتبطة بحسابات مجهولة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو دعاة متطرفين خارج حدود السويد، بل أصبحت تصدر من داخل حزب ممثل في البرلمان نفسه.
وهنا تظهر نقطة الالتقاء الأكثر رعباً بين عالمين يبدوان ظاهرياً متناقضين:
خطاب اليمين الشعبوي من جهة، وخطاب حملة التضليل المتعلقة بالأطفال من جهة أخرى.
قد تختلف اللغة.
وقد تختلف الأيديولوجيا.
وقد تختلف صورة “العدو” لدى كل طرف.
لكن النتيجة النفسية والسياسية واحدة:
زرع الشك في الدولة، وتحويل مؤسسات الحماية إلى مصدر خوف.
حملة التضليل قالت للعائلات المسلمة:
“السويد تأخذ أطفالكم لأنكم مسلمون.”
أما الخطاب الشعبوي الجديد فيقول بشكل غير مباشر:
“نعم، الخدمات الاجتماعية تشكل خطراً حقيقياً، ونحن الوحيدون الذين يجرؤون على قول الحقيقة.”
وفي النهاية، تصل الرسالة ذاتها إلى الناس:
لا تثقوا بالمؤسسات.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فالسويد لم تُبنَ فقط على القوانين، بل على مفهوم “الثقة المجتمعية”. الثقة بين المواطن والدولة هي العمود الفقري للنموذج الاسكندنافي كله. وعندما تتحول مؤسسات الرعاية والحماية إلى أدوات للرعب السياسي، فإن ما يتصدع ليس صورة مؤسسة بعينها، بل فكرة المجتمع نفسه.
الخوف دائماً أداة سياسية فعالة.
لأنه لا يحتاج إلى شرح قانوني معقد، ولا إلى نقاشات حول حماية الطفل أو التدخلات الاجتماعية أو حقوق القاصرين. يكفي خلق شعور عام بالتهديد.
وهنا ينكشف أخطر ما في الشعبوية الحديثة:
أن الغاية بدأت تبرر الوسيلة.
فالرواية التي كانت توصف بالأمس بأنها “مؤذية وخطيرة وتضليلية” يمكن أن تصبح فجأة أداة سياسية مشروعة، إذا كانت قادرة على تعبئة الناخبين، وصناعة الغضب، وتعزيز صورة المجتمع المنهار.
وربما لا تكمن الصدمة الحقيقية في المنشور نفسه.
بل في هشاشة الخط الفاصل بين التضليل السياسي والسياسة الرسمية.
فالسؤال لم يعد:
من بدأ رواية خطف الأطفال؟
بل:
من المستفيد اليوم من إبقائها حيّة؟
فاروق الدباغ