المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس ـ بريد القرّاء: أرسلت أمل خضر هذه الرسالة للكومبس تروي فيها رحلتها من العراق إلى السويد و كيف استطاعت تحقيق طموحها بعد أن تركت المدرسة في عمر ال 12 سنة.

من حقول العمل إلى قاعات الجامعة

اسمي امل أسود خضر، وأنا من مدينة الموصل في العراق، وتعود جذوري إلى بلدة بعشيقة، وبحزاني ومن أصول عربية عراقية.

عندما أنظر إلى حياتي اليوم، أشعر أنني عشت أكثر من حياة في حياة واحدة. رحلة طويلة بدأت بالفقر والحرمان والعمل الشاق في طفولتي، وانتهت بالعلم والنجاح وتحقيق حلم ظننت يوماً أنه مستحيل.

فقدت والدي وأنا في عمر سنة واحدة فقط. ومنذ ذلك الوقت أصبحت والدتي الأم والأب في آن واحد. كانت امرأة قوية ومكافحة تحملت مسؤولية تربية أبنائها وسط ظروف اقتصادية قاسية. كانت تعمل في أعمال شاقة لمساعدة البنّائين وتأمين لقمة العيش لنا، وكنا نعيش حياة بسيطة جداً، حيث كان همّنا الأكبر هو تأمين احتياجاتنا اليومية.

منذ طفولتي كنت أحب المدرسة وأعشق التعلم. كنت أحلم أن أصبح طبيبة عندما أكبر، لكن الفقر كان أقوى من أحلام طفلة صغيرة. عندما بلغت الثانية عشرة من عمري تقريباً، أخبرتني والدتي بحزن شديد أن عليّ ترك المدرسة لمساعدة الأسرة في العمل. لم يكن القرار سهلاً عليها أو عليّ، لكنه كان ضرورة فرضتها ظروف الحياة.

أتذكر جيداً ذلك الشعور المؤلم عندما كنت أرى الأطفال في مثل سني يذهبون إلى مدارسهم كل صباح، بينما كنت أتجه إلى العمل. كنت أبكي أحياناً في داخلي، لكنني كنت أعرف أن عليّ أن أتحمل المسؤولية وأن أساعد عائلتي.

بدأت العمل في سن مبكرة جداً. كنت أستيقظ قبل شروق الشمس في أيام الشتاء الباردة لجمع الزيتون من الأرض، ثم أحمل أكياساً ثقيلة تزن نحو خمسة عشر كيلوغراماً وأسير بها لمسافات طويلة. كما عملت في جني البطاطس وأعمال زراعية أخرى تحت أشعة الشمس الحارقة ولساعات طويلة خلال فصل الصيف.

ولم تقتصر مسؤولياتي على العمل الزراعي فقط. فقد كنت أشارك أيضًا في مختلف الأعمال التي كانت تساعد الأسرة على تأمين دخلها المحدود. ومن بين تلك الأعمال المساعدة في إنتاج مشروب الراكي التقليدي الذي كان يُباع محلياُ. كنت أشارك في تجهيز التمور ونقلها وتحضيرها، وأساعد في مختلف مراحل العمل المرتبطة بهذه المهنة العائلية البسيطة. في ذلك الوقت لم يكن عمل الأطفال أمراً مستغرباً في البيئات الفقيرة التي كنا نعيش فيها، بل كان جزءاً من الواقع اليومي الذي فرضته الحاجة.

عشت طفولتي بين العمل والمسؤوليات، بينما ظل حلم الدراسة يسكن داخلي بصمت. ورغم كل الصعوبات، لم أفقد الأمل يوماً في أن أعود إلى مقاعد الدراسة.

“وصلتُ إلى السويد أحمل معي أحلاماً مؤجلة”

عندما كبرت وتزوجت، بدأت مرحلة جديدة من حياتي مع زوجي وأطفالي. وبعد الظروف الصعبة التي مر بها العراق، قرر زوجي البحث عن مستقبل أكثر أمناً واستقراراً لعائلتنا. وفي بداية عام 2008 وصلنا إلى السويد. كنت آنذاك في التاسعة والعشرين من عمري، أحمل معي أحلاماً مؤجلة منذ سنوات طويلة.

ما زلت أتذكر الكلمات التي قالها لي زوجي بعد وصولنا إلى السويد: “إذا كنتِ ما زلتِ ترغبين في الدراسة، فقد حان الوقت لتحقيق حلمك، وأنا سأدعمك”. كانت تلك الكلمات نقطة تحول حقيقية في حياتي.

بدأت رحلتي التعليمية من الصفر. التحقت بدراسة اللغة السويدية في برنامج SFI، ثم أكملت التعليم الأساسي والثانوي، وبعد ذلك حصلت على شهادة مساعد تمريض. لم تكن العودة إلى الدراسة سهلة بعد سنوات طويلة من الانقطاع، لكنني كنت مصممة على تعويض كل ما فاتني.

واصلت رفع درجاتي وتحسين مستواي الدراسي حتى تمكنت من الالتحاق بالجامعة ودراسة التمريض. خلال تلك السنوات كنت أمًا لثلاثة أطفال، وأدرس وأعمل في الوقت نفسه. كانت الأيام طويلة ومتعبة، لكن حلمي كان أكبر من كل الصعوبات.

بعد تخرجي كممرضة، لم أتوقف عن التعلم. واصلت تطوير نفسي علميًا ومهنيًا، وحصلت على تدريب وخبرة متخصصة في رعاية مرضى السكري والربو ومرض الانسداد الرئوي المزمن (COPD)، لأنني كنت أؤمن أن التعلم المستمر هو أساس تقديم رعاية صحية أفضل للمرضى.

كما واصلت دراستي في جامعة كارولينسكا في ستوكهولم، إحدى أعرق الجامعات الطبية في العالم. وهناك حصلت على شهادة الاختصاص في التمريض الصحي المجتمعي والعمل كممرضة منطقة (Distriktssköterska)، كما حصلت على درجة الماجستير في العلوم الطبية مع تخصص رئيسي في التمريض.

عندما أنظر اليوم إلى شهاداتي وإنجازاتي، أتذكر تلك الطفلة التي اضطرت إلى ترك المدرسة والعمل في الحقول لمساعدة أسرتها. أتذكر البرد في الصباحات الشتوية، والتعب في أيام الصيف الطويلة، والحزن الذي كنت أشعر به عندما أرى الأطفال يذهبون إلى المدرسة. كل تلك الذكريات تجعلني أكثر امتناناً لما وصلت إليه اليوم.

لقد ساعدتني رحلتي التعليمية والمهنية على بناء حياة أفضل لعائلتي، وعلى تربية أطفالي على حب العلم والإيمان بأن الإنسان قادر على تغيير مستقبله مهما كانت بدايته صعبة. كما كان زوجي شريكاً حقيقياً في هذه الرحلة، حيث دعمنا بعضنا البعض وتقاسمنا المسؤوليات من أجل مستقبل أفضل لأطفالنا.

اليوم أعمل بكل فخر في المجال الصحي، وأواصل خدمة المجتمع الذي منحني فرصة جديدة للحياة وتحقيق أحلامي. وأؤمن أن قصتي ليست مجرد قصة نجاح شخصية، بل رسالة أمل لكل من يواجه الصعوبات ويعتقد أن الوقت قد فات لتحقيق أحلامه.

رسالتي لكل إنسان هي: لا تدع ظروفك الحالية تحدد مستقبلك. قد تتأخر الأحلام سنوات طويلة، وقد تواجه الكثير من العقبات، لكن بالإرادة والصبر والعمل الجاد يمكن تحقيق ما يبدو مستحيلاً.

قصتي هي قصة طفلة من الموصل حُرمت من التعليم بسبب الفقر، وعملت منذ سن الثانية عشرة لإعالة أسرتها، ثم جاءت إلى السويد وهي في التاسعة والعشرين من عمرها لتبدأ من جديد. وبعد سنوات من الكفاح والدراسة والعمل، أصبحت ممرضة متخصصة وحاصلة على شهادة الاختصاص ودرجة الماجستير من جامعة كارولينسكا، لتثبت أن الأحلام لا تموت.

أمل أسود خضر