Lazyload image ...
2022-04-25

المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: تداولت مؤخراً وسائل الإعلام العالمية، خبرا نُشر أيضا على صحيفة الكومبس بتاريخ 9 أبريل بعنوان “بشرى سارة لمرضي السكري”، كسبق علمي لعلاج هذا الداء، ويهمنا هنا توضيح بعض الحقائق حول هذا العلاج.

جاء في سياق الخبر، أن الكشف شارك به باحثون في كلية الطب بجامعة ييل، وجامعة كاليفورنيا، ومعاهد فينشتاين للأبحاث الطبية بالإضافة إلى القسم البحثي بشركة جنرال إلكتريك، كما نشرت عدة دوريات طبية مختصة أبحاث حول الموضوع ضمن سياق الهندسة الطبية الحيوية، ضمن هدف تطوير وسائل لعلاج مرض السكري من النوع الثاني بإستخدام الموجات الفوق صوتية بدون إستخدام أي أدوية، وهي الطريقة والتي تسمي تقنية التحفيز المحيطي المركز بالموجات فوق الصوتية المعتمدة على توجيه نبضات الموجات الفوق صوتية الي أنسجة مليئة بالنهايات العصبية.  تم تطبيق هذا العلاج على ثلاث نماذج من الحيوانات المخبرية هي الفئران والجرذان والخنازير المصابة بالسكري. وقد أظهرت النتائج أن الحيوانات التي تعرضت إلى فترات قصيرة من الموجات فوق الصوتية التي استهدفت مجموعات الأعصاب الموجودة في الكبد، قد انخفضت عندها مستويات الأنسولين والجلوكوز بشكل واضح (شكل 1).

وللتوضيح أكثر هذا النوع من العلاج يقوم بتحفيز منطقة في الكبد تسمى بورتا الكبد، وهي تحتوي على تكتل من الأعصاب البوابية الكبدية، والتي يعتقد أنها تنقل المعلومات حول مستويات الجلوكوز إلى الدماغ. بسبب صغر هذه الاعصاب والتي يصعب دراستها كل على حدا أو بشكل منفصل تم تحفيزها بشكل كامل مما أدى الي خفض مستويات الجلوكوز في الدم بعد توجيه دفعة قصيرة (ثلاث دقائق يوميا) لمدة 40 يوم من الموجات فوق صوتية مستهدفة الاعصاب البوابية الكبدية.

هذه التقنية ليست جديدة كليا فهناك العديد من الدراسات التي حاولت تطوير تقنيات الموجات الصوتية لتوجيه الجهاز العصبي على القيام ببعض الوظائف الفسيولوجية، لعل أهمها كانت الدراسة التي بحثت في فعالية الموجات فوق الصوتية لزيادة إفراز الأنسولين في خلايا بيتا في البنكرياس المستخلصة من الفئران. بعد تعريض الخلايا للموجات فوق الصوتية لمدة 5 دقائق  لوحظ زيادة في إفراز الأنسولين مقارنة بقيم التحكم الأولية ؛ ومع ذلك ، كانت هذه الزيادة مصحوبًة بفقدان قدرة الخلايا علي البقاء علي الحياة. 

المثير في الدراسة أن تعريض الخلايا لموجات فوق الصوتية على ترددات 800 كيلو هيرتز أدى الي زيادة في إفراز الأنسولين مع احتفاظ الخلايا بالقدرة على البقاء علي قيد الحياة مقارنة بمستوى الخلايا غير المحفزة. وقد خلصت الدراسة إلي أن الموجات فوق الصوتية لها إمكانيات فريدة كطريقة جديدة وبديلة لطرق العلاج الحالية، التي تهدف إلى تصحيح أوجه القصور الإفرازية لدى مرضى السكري من النوع 2 بالادوية.  

مما لاشك فيه أن هذه التقنية للعلاج بالموجات الفوق صوتية ستمثل إضافة مثيرة و جديدة لخيارات العلاج المتوفرة لعلاج السكري عند البشر في حال كتب لها النجاح في التجارب السريرية مقارنة بنجاحها علي الحيوانات المخبرية . ولكن هناك الكثير من العقبات التي تواجه التجارب السريرية و التي نود التنويه إليها.

أولا, على الرغم من أن هذا التقنية الواعدة يمكن أن تكون بديلأ للعلاج الدوائي لمرض السكري من النوع الثاني ، الي أنه من الضروري أبداء بعض التحفظ و الحذر في تعميم نتائج الدراسة  في الوقت الحالي و التي تحتاج  إلى المزيد من الوقت التي ربما تصل مدتها إلي عدة سنوات من التجارب قبل الإقرار بفاعلية العلاج . فالتجارب التي أجريت علي الحيوانات الصغيرة مثل الفئران و الجرذان غير كافية و المطلوب إجراء المزيد من التجارب علي الحيوانات الأكبر حجما مثل القردة و الخنازير.

أيضاً و على الرغم من نجاح العلاج علي الفئران و الجرذان فمن المهم الأخذ بعين الإعتبار أن فسيولوجية مرض السكري في الحيوانات تختلف عن طبيعتها عند البشر. هذا الاختلاف يمكن أن يؤدي الي نتائج علاجية غير متطابقة بين الحيوانات و البشر. كما يجب التنويه أن هذه الدراسة تم تمويلها وقيادتها من قبل شركة جنرال إلكتريك العالمية التي تقوم بتصنيع وتطوير أجهزة الموجات الفوق صوتية المستخدمة في العلاج لذا فمن المهم جدا أن يتم التدقيق وإجراء التجارب السريرية من قبل فرق بحثية محايدة لإقرارها على البشر. 

عقبة أخرى يجب اذلالها وهي أن الطريقة المكتشفة حديثا بحاجة للمزيد من التعديل والتبسيط لتلائم التطبيق على مرضي السكري عند البشر من حيث كمية ونوعية الجرعات المستخدمة. حيث يمكن أن تؤدي الجرعات الخاطئة إلي نتائج عكسية كما بينا سابقا في الدراسة على خلايا بيتا عند الفئران . كذلك هناك حاجة إلي تدريب كادر طبي مؤهل للتعامل مع مثل هذه الجرعات الفوق صوتيه أـو حتي تدريب المرضي أنفسهم في المستقبل لإستخدامها في المنزل علي نطاق واسع . 

كذلك من المهم جدا الأخذ بعين الاعتبار ان هذا العلاج إن أجيز له، سيلائم فقط جزء من المرضى و ليس كل الذين يعانون من النوع الثاني من السكري، أما مرضى الأنواع الأخرى من مرض السكري مثل النوع الأول و سكري الاطفال و السكري أحادي الجين فلن يستطيعوا الإستفادة منه . أخيرا فمن غير المتوقع ان يكون هذا العلاج بمثابة العلاج السحري للسكري من حيث أن يتلقى المريض بعض الجرعات لبضعة أيام و يصبح خالي من المرض، فعلى الاغلب أن العلاج سيطبق مدي الحياة على المرضى.  

بقلم : د. جلال تنيرة

أستاذ مشارك في كلية الطب , جامعة الشارقة

منسق المجموعة البحثية للسكري و الأمراض الأيضة في معهد الشارقة للأبحاث الطبية 

Related Posts