هل مجرد استطلاع عابر أم مؤشر على تغييرات في المزاج الشعبي والبيئة السياسة؟ هذا ما أثاره تصدّر جيمي أوكيسون، رئيس حزب SD “ديمقراطيي السويد” قائمة الثقة بين قادة الأحزاب في استطلاع ديموسكوب الأخير، ترافق ذلك مع تخوفات كثيرة خاصة لدى المستائين من سياسات اليمين تجاه الأجانب واللاجئين والمهاجرين، حالات الخوف وصلت لأعلى مستوياتها وسط من ينتظرون الجنسية السويدية أو لديهم قضايا لدى مصلحة الهجرة مثل معاملات الإقامة الدائمة ولم شمل وغيرها.

الاستطلاع أظهر أيضاً أن أوكيسون تجاوز حتى مجدلينا أندرشون، التي كانت تتصدر دائماً استطلاعات الراي المماثلة، فيما وصفت بعض ردود الفعل السياسية والإعلامية النتيجة بـ”المفاجأة” و”الحمام البارد” وكأن استطلاع رأي واحداً قلب المشهد السياسي رأساً على عقب. وكأن هذا الاستطلاع ينذر بتولي أوكيسون وحزبه زمام الأمور في السويد من الآن. فأين هي الحقيقة الكاملة وراء ما يمكن استنتاجه من نتيجة هذا الاستطلاع؟

يمكن أن تكون الحقيقة أبسط، وأعمق، في آنٍ واحد من مجرد أرقام الاستطلاع. ومع ذلك لا بد أن تكون هذه النتيجة مؤشراً على تغييرات في المزاج الشعبي العام يطال ليس فقط السويد، بل كل أوروبا.

كما هو معروف، استطلاعات الرأي لا تُنتج التحولات السياسية، بل ترصدها. وهي لا تعكس “الحقيقة الكاملة”، لكنها تلتقط اتجاهات عامة، إذا تكررت وتراكمت، يصبح من الصعب تجاهلها أو التقليل من شأنها.

من المهم التذكير أن استطلاعات الثقة لا تعني نية التصويت بالضرورة، ولا تعكس بالضبط موازين القوى الانتخابية. هي تقيس شعوراً عاماً تجاه القيادات: من يبدو أكثر حضوراً؟ أكثر وضوحاً؟ أكثر قدرة على التأثير؟

لكن في الأنظمة الديمقراطية، لهذه المشاعر وزن حقيقي. تآكل الثقة هو غالباً أول إشارة إلى تحوّل أعمق قادم، حتى لو لم يظهر فوراً في صناديق الاقتراع.

ولهذا، فإن التركيز على فارق 1 نقطة مئوية بين أوكيسون وأندرشون قد يخفي الصورة الأكبر أو الاتجاه العام.

على حساب ضعف كريسترشون

نتيجة استطلاع ديموسكوب الأخير لم تكن انقلاباً مفاجئاً. ولكن للتذكير، قبل عامين ونصف، كان الفارق بين أندرشون وأوكيسون 28 نقطة مئوية لصالح رئيسة الاشتراكيين. شهراً بعد شهر، تقلّص هذا الفارق، إلى أن وصلنا إلى هذه النتيجة.

يمكن أن نلاحظ أن هذا المسار قد يعكس أمرين متوازيين: الأول، نجاح أوكيسون في تقديم نفسه كلاعب مركزي في السياسة السويدية، لا مجرد رئيس حزب احتجاجي، متذمر. والثاني، تراجع ولو طفيف في صورة القيادة التقليدية المهيمنة التي تمتع بها الاشتراكيون الديمقراطيون لسنوات طويلة.

أوكيسون استفاد من دوره غير المعلن رسمياً، لكن الفعلي، داخل تحالف تيدو. ظهر بمظهر السياسي المؤثّر، أمام ضعف واضح لتأثير أولف كريسترشون وحزبه الموديرات وحتى أمام ضعف شريكي الحكم الآخرين المسيحي الديمقراطي والليبرالي، أوكيسون استطاع فرض أولويات حزبه دون أن يتحمل وحده كلفة الحكم اليومية. هذا التوازن كان نادراً، لكنه أعطى نتيجة فعالة.

أزمة أندرشون من داخل معسكرها

الأكثر دلالة في الاستطلاع ليس تراجع أندرشون عموماً، بل أين تراجعت. خسارتها جاءت بين ناخبي الوسط والبيئة، أي داخل ما يُعرف بالمعسكر الأحمر الأخضر. في السياسة، أن تخسر ثقة خصومك أمر متوقع، ولكن أن تخسر ثقة حلفائك، فهذه إشارة على أزمة من نوع آخر.

هذا التراجع قد يعكس شعوراً متزايداً لدى جزء من الناخبين بأن الخطاب الاشتراكي الديمقراطي لم يعد يقدّم إجابات مقنعة في الاقتصاد، أو الهجرة، أو الأمن، أو حتى القضايا البيئية التي كانت يوماً نقطة قوة.

الشباب مفتاح الفهم

لفهم صعود أوكيسون، لا يكفي النظر إلى التحالفات البرلمانية أو اتفاق تيدو فقط، بل إلى التحولات داخل جيل الشباب، وخصوصاً الفرق بين تفكير الشباب الذكور والشابات الإناث.

وفق استطلاع أجراه Novus لصالح يوتيبوري بوستن، فإن أحزاب تيدو تحصل على قرابة 70 بالمئة من أصوات الشباب بين 18 و29 عاماً، بينما يصوّت 40 بالمئة منهم لحزب ديمقراطيي السويد. هذه الأرقام لا تفسَّر بالعنصرية وحدها، ولا بالاحتجاج فقط، بل بسردية سياسية نجحت في مخاطبة الإحباط بدلًا من إنكاره. في الوقت الذي حاولت فيه أحزاب الوسط واليسار “تقويم” هذا الإحباط عبر لغة أخلاقية أو خطاب توبيخي، قدّم اليمين القومي عرضاً مختلفاً: الاعتراف بالغضب، تحويله إلى هوية، ومنحه معنى.

كثير من الشباب الذكور يعيشون اليوم واقعاً يتّسم بوظائف غير مستقرة، صعوبات دخول سوق السكن، عزلة اجتماعية متزايدة، وتراجع في التحصيل الدراسي مقارنة بالنساء. لكنهم، في الخطاب العام، لا يُخاطَبون كأفراد لهم مستقبل، بل كأرقام في “تحليل مخاطر”: توكسيك، محتملو تطرف، أو مشكلة أمنية. هنا تحديداً، وجد خطاب ديمقراطيي السويد مدخلاً. ليس عبر تقديم حلول سياسية معقّدة، بل عبر سردية بسيطة: فقدان المكانة، الحنين إلى نظام واضح، والانتصار للفرد القوي في مواجهة “نخب” لا تفهمه. ما يبيعه هذا الخطاب ليس سياسة بقدر ما هو إعادة اعتبار.

أهمية استطلاعات الرأي

أهمية استطلاعات الرأي لا تكمن في أرقامها الدقيقة، بل في دورها كمرآة للنقاش العام. هي أداة مساءلة غير مباشرة، تُجبر الأحزاب على مراجعة خطابها، أو تجاهل الإشارات إلى مسؤوليتها. استطلاعات الثقة لا تقيس فقط نية التصويت، بل ترصد مزاجاً عاماً: من يبدو حاضراً؟ من يقدّم سردية مفهومة؟ ومن يتحدث بلغة يشعر الناس أنها تمسّهم، حتى لو اختلفوا معه؟

وبالمناسبة تتعاون الكومبس بشكل كبير مع مؤسسة ديموسكوب لإجراء استطلاعات مماثلة في أوساط الناخبين باللغة العربية، ليكونوا جزءاً من انعكاسات واقع المجتمع ولكي يكون المؤشر كاملاً وغير منقوص بغياب جزء من المجتمع.

الاستخفاف بنتائج استطلاعات الرأي عموماً، أو التعامل معها باعتبارها “نزوة مؤقتة” لا يغيّر الواقع، بل يؤجّل مواجهته. في هذا العام الانتخابي نجد الدعوة من الآن لمزيد من المشاركة السياسية الفعالة من قبل الجميع خصوصاً المجموعات التي تعتبر نفسها مهمشة.

محمود آغا